عامر الياس الفخوري: جزّار الذاكرة الجماعية


Lebanon Law Review | Amer Fakhoury

عادت الصّور إلى الإنتشار، وجوه غيّر التعذيب ملامحها قبل أن يفعل الزّمن وفقا للمجرى الطبيعي للأمور. شُرِّعت أبواب الغضب وأُخرجت من مكتبات الذاكرة كتب حكايات التعذيب لتروي كفاح أبطال المُعتقل. عميل، آمر المعتقل، جزّار الخيام… تعدّدت الألقاب والإسم واحد، والحكايات لا تعدّ ولا تُحصى

 عامر إلياس الفاخوري. الإسم الذي لن يمحوه مرور الزمن على العقوبة، الإسم الذي ستخلّده الذاكرة الجماعية اللبنانية كوصمة عار. المحكوم غيابيا بخمسة عشر عاما من الأشغال الشاقة سقطت عنه العقوبة بعد عشرين سنة، بحيث تنصّ المادة 163 من قانون العقوبات اللبناني على مرور الزمن على العقوبة وكيفية حسابها. من أجل الحديث عن مرور الزمن على العقوبة، يفترض الأمر فرار المحكوم عليه من وجه العدالة وعدم تواجده في السجن، بحيث وبعد مضيّ عدد سنوات محدّد، وتبعا للعقوبة المحكوم بها بين حدّين أدنى وأقصى، تُعتبر العقوبة المحكوم بها بمثابة التنفيذ. فبالنسبة للعقوبات الجنائية المؤقتة، كما والحالة هذه، فإنّ العقوبة تسقط بمرور الزمن بعد مرور ضعف المدّة المحكوم بها على ألّا تقلّ عن عشرة سنوات كحدّ أدنى وعشرين سنة كحدّ أقصى. وعليه فإنّ ضعف المدّة التي حُكم على جزّار الخيام بها تتجاوز الحدّ المسموح به قانونا ممّا يوجب إنقاصها للحدّ الأقصى وهو عشرون سنة

مدة مرور الزمن على عقوبة الاعدام والعقوبات الجنائية المؤبدة خمس وعشرون سنة. مدة مرور الزمن على العقوبات الجنائية المؤقتة ضعف مدة العقوبة التي حكمت بها المحكمة ولا يمكن ان تجاوز عشرين سنة او تنقص عن عشر سنوات . مدة مرور الزمن على اية عقوبة جنائية اخرى عشر سنوات وتطبق هذه المدة ايضا على اية عقوبة جناحية قضي بها من اجل جناية. يجري مرور الزمن من تاريخ الحكم اذا صدر غيابيا ومن تاريخ انبرامه اذا صدر وجاهيا ولم يكن المحكوم عليه موقوفا والا من يوم تملصه من التنفيذ. اذا تملص المحكوم عليه من تنفيذ عقوبة مانعة او مقيدة للحرية اسقط نصف مدة العقوبة التي نفذت فيه من مدة مرور الزمن

المادة 163 ﻗﺎﻧﻮن اﻟﻌﻘﻮﺑﺎت

قد يختلف أبناء الوطن الواحد على مفاهيم عدّة، ولكن لا ينبغي أن تكون العمالة من بين تلك المفاهيم التي يختلف عليها المرء! فعدوّنا واحد. توالت السنوات، سقطت العقوبة، وبقيت الزنزانة، إلّا أنّ بعض المحرّرين ما استطاع النزول إلى الشارع فالتراب كفيل بأن يحضن معاناتهم وصرخاتهم

Lebanon Law Review | Khiam Entrance
Abandon All Hope ye who Enter Here

البرقية ٣٠٣ الصادرة عن مديرية مخابرات الجيش اللّبناني والمحصورة بجرائم العملاء ونادرا بالإرهاب، هي نوع من بلاغ البحث والتحري، لا تسقط بمرور الزمن وتُعمّم على كلّ من: المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، الأمن العام، أمن الدولة، وجهاز أمن المطار. ولكن بين البلاغ المنصوص عليه قانونا في المادة 24 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والمدرج ضمن مهام النيابة العامة الإستئنافية، وبين البرقية المذكورة أعلاه فارقين جوهريين. أولهما، الجهة التي تصدر عنها، فإنّ البلاغ كما تمّ بيانه أعلاه  يصدر بإشارة قضائية أي النيابة العامة الإستئنافية. أمّا البرقية 303 فتصدر عن مديرية المخابرات في الجيش اللبناني، وبالتالي فهي صادرة عن جهة عسكرية. ثانيهما، المدّة التي يسقط بها كلّ منهما. فبالنسبة للبلاغ، فإنّه يسقط مبدئيا بعد عشرة أيّام، ويسقط حكما بعد ثلاثين يوما كحدّ أقصى وذلك بتمديد من النائب العام الإستئنافي

لم تحدث البرقية الجدل الذي أحدثته عند عودة العميل الفاخوري وحسب بل كان لها حصّتها لدى المجلس النيابي منذ سنوات، جلسة ١٣ شباط ٢٠١٢. وجّه النائب السابق إيلي كيروز سؤالا إلى الحكومة بواسطة رئيس مجلس النواب إلى كلّ من وزير الدفاع الوطني فايز غصن ووزير العدل النقيب شكيب قرطباوي حول الإجراءات التي ينويان اتخاذها لإلغاء البرقية المنقولة ٣٠٣، باعتبارها غير قانونية لعدم سقوطها بمرور الزمن إلى حين توقيف المطلوب بموجبها بعكس ما تنصّ عليه المادة ٢٤ من قانون أصول المحاكمات الجزائية، ولصدورها بحق المواطنين، ولمخالفتها مبدأ فصل السلطات المكرّس في الدستور وعدم صدورها بناء على تكليف قضائي

“د­ – اصدار بلاغ بحث وتحر، في حال عدم العثور على الشخص المشكو منه او المشتبه فيه أو جهل محل اقامته، يتضمن كامل هويته والجرم المسند اليه.
­ عند تنفيذ بلاغ البحث والتحري يتوجب الاتصال فورا بالنيابة العامة التي اصدرته. ­ يسقط بلاغ البحث والتحري حكما بعد مرور عشرة ايام على تاريخ صدوره الا اذا قرر النائب العام تمديده لمهلة ثلاثين يوما يسقط بعدها حكما

الفقرة (د) المادة 24 من قانون أصول المحاكمات الجزائية

وأنّه بتاريخ ٢٨/١١/٢٠١١ أصدرت لجنة الإدارة والعدل النيابية توصية بإلغاء البرقية المذكورة. على المقلب الآخر، هناك من أوضح حينها بصدور هذه البرقية بحقّ الجرائم المخلّة بالأمن القومي والمتعلّقة بالعملاء للعدو على وجه الخصوص. كما أوضح إمكانية سقوط البرقية عند تقديم طلب معلّل للنيابة العامة العسكرية وموافقة القضاء العسكري

Lebanon Law Review | Inside Khiam Prison

عامر الفاخوري المحكوم عليه غيابيا، المجرم المخلّد في ذهن كلّ وطنيّ مقاوم جزّار الذاكرة الجماعية

 أطلق قنّاص متخفّ الرصاصة الأولى نحو ملف العملاء وإمكانية عودتهم، وقد كان للشعب موقفه. لم تُرفع الجلسة بعد، إقتيد الفاخوري إلى الإستجواب وأُصدرت بحقه مذكرة توقيف وجاهية وسط تزاحم أميركيّ أمام المحكمة وأكّد القضاء على السيف القاطع والفاصل باجتهاد حول إمكانية تطبيق إتفاقية لاهاي الدولية التي تقضي بعدم سقوط جرائم الحرب بمرور الزمن. إضافة إلى تطبيق أحكام إتفاقيات جنيف الأربعة والبروتوكولات الملحقة بها سنة 1977 والتي تشكّل المدماك الأساس للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما في كيفية التعامل مع الأسرى وأصول النزاعات المسلحة غير الدولية. كما تجدر الإشارة إلى أنّ المادة الثانية من قانون أصول المحاكمات المدنية اللبناني تكرّس مبدأ تسلسل القواعد القانونية وتضيف إلى أنّه في حال تعارض أحكام القوانين الدولية مع أحكام القانون الداخلي، تسمو الأولى لناحية التطبيق. انطلاقا من هنا، إذا ما اعتبر القضاء اللبناني والمعايير الدولية أنّ ما قام به آمر المعتقل خلال فترة خدمته لصالح الكيان الصهيوني هو من قبيل ما يندرج تحت المحظور بموجب الإتفاقيات، فإنّ اعتماد هذا التوجّه واجب بحقّه. بحيث يتسنّى للدولة والسلطة القضائية محاكمة الجزّار مهما مرّ على فعله من زمن وسنوات، إلّا أنّ إشكالية تُطرح في هذا السياق. إنّ تطبيق أحكام المعاهدة المذكورة والتي تُعنى بجرائم الحرب والتي تؤكّد على عدم سقوط تلك الجرائم بمرور الزمن، يفترض الأمر إستمرار الجريمة تلك دون ملاحقة.  وعليه، مدى إمكانية تطبيق تلك الأحكام في ظلّ حكم غيابي واعتبار المدّة المحكوم بها بمثابة التنفيذ. أمّا على المقلب الآخر، وبالعودة إلى البرقية المُلغاة بحقّ الفاخوري سنة 2017 فإنّ فلسفتها التي تُحتّم عدم سقوطها بمرور الزمن تُظهر الرغبة في إستمرار اعتبار العميل فارّا من وجه العدالة ومطلوب للسوق ليمثل أمام القضاء، وبالتالي تُعتبر من قبيل الإجراء الذي تتّخذه السلطة بغية تنفيذ الحكم بوجه المحكوم عليه. وهو الأمر الذي من شأنه أن يقطع مرور الزمن على العقوبة، بحال كانت البرقية المذكورة صادرة بحق الفاخوري بعد صدور الحكم الغيابي الذي قضى بالأشغال الشاقة مدّة 15 سنة

          ختاما، صدر قرار من جانب المحكمة العسكرية الدائمة برئاسة العميد الركن حسين عبدالله بمنع المحاكمة عن جزّار الخيام عامر الفاخوري وإبطال كافّة التعقّبات لتعود إشعارات الهاتف ومقدّمات نشرات الأخبار تصدح عن “جديد قضية العميل عامر الفاخوري”. ولكن، هل أنّ العبرة التي تكمن عادة في الخواتيم كانت جليّة بالنسبة لأعضاء المحكمة منذ البداية، أم أنّ اجتهادا متباينا حتّم طلب التمييز من جانب النائب العام لدى محكمة التمييز وجهة الإدّعاء أمام القضاء العسكري، مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية. وفي كلتا الحالتين، وإن سلكت إعادة المحاكمة مسارها القانونيّ، عادت الحال إلى ما كانت عليه

عامر الفاخوري المحكوم عليه غيابيا، المجرم المخلّد في ذهن كلّ وطنيّ مقاوم جزّار الذاكرة الجماعية


Issam Amro
Issam Amro

Sagesse

Arabic Language Editor

Published Author