!و اخيراً، للإنسان حق


Article 47 Code of Criminal Procedures

بعد سكوت المشرع لزمن ليس بقصير وبعد التعديل الجزري في  قانون اصول محاكمات الجزائية سنة 2001, وبعض التعديلات الطفيفة, اتى المشرع بمشروع تعديل المادة 47 من قانون اصول المحاكمات وهذا التعديل جاء نتيجة التجاوزات التي حصلت بثورة 17 تشرين وما نتج عنها من قمع وسد الافواه وتبيان شراسة قوى الامن الداخلي وعناصر الضابطة العدلية. ان نقابة المحامين حصلّت انجاز ليس ببسيط اهم ما جاء فيه حضور المحامي خلال فترة التحقيقات الاولية التي تجريها عادةً عناصر الضابطة العدلية

مقارنة احكام المادة

ان احكام هذه المادة تطبق في حالة الجريمة الغير المشهودة بحيث صلاحيات الضابطة العدلية تتقلص, وبإختصار ان الضباط العدليون بوصفهم مساعدي النيابة العامة ورجالهم على الارض يقوموا بإجراء التحقيقات الاولية وهي جمع الادلة, المعلومات, سماع الى افادة الشهود بدون تحليفهم اليمين,اجراء كشف الحسي على أماكن وقوع الجرائم اي  جميع الاعمال التي تهدف الى محاولة اكتشاف مرتكبي الجرائم والمسهمين فيها

ونصت هذه المادة على حقوق المحتجز قبل الاحتجاز واثناءه, وألزمت عناصر الضابطة العدلية بإعلام المحتجز بحقوقه تحت طائلة بطلان التحقيقات .وهذه الحقوق جاءت لتتلاقى مع مبدأ حق الدفاع المنصوص عنه في الدستور ومعاهدات حقوق الانسان المصادق عليها لبنان لا سيما منها الاعلان العالمي لحقوق الانسان والاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري بكل أشكاله, والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية, والميثاق العربي لحقوق الانسان

 ومن هذه الحقوق اتصال باحد الاقارب او افراد العائلة او بمحام يختاره المحتجز. وامكانية مقابلة محام يعينه هو بتصريح يدون على المحضر دون حاجة الى وكالة منظمة وفق الاصول, والعديد من الحقوق, تعيين ترجمان محلف اذا لم يتقن اللغة العربية, تعيين طبيب. لكن اهمها واهم التعديلات كانت بهذه الفقرات. وحيث ان قبل التعديل كان حضور المحامي اساسي في مرحلة التحقيق الابتدائي وليس الاولي (الذي يجري امام  الضابطة العدلية ) اي امام قاضي التحقيق بحيث يحضر الاستجواب ويوجه اسئلة الى المدعى عليه بواسطة القاضي وهنا قلنا المدعى عليه لأن قاضي التحقيق يضع يده على الدعوى بموجب ادعاء النيابة العامة او الدعاوى المباشرة التي يتقدم بها المتضررون مشفوعة بإدعائهم الشخصي أي في تلك المرحلة لا نكون أمام مشتبه به بل مدعى عليه . الا ان عند ضباط العدليين لا يحضر المحامي الاستجواب بل يقتصر دوره على تقديم الاستشارة القانونية ما لم يجري الاستجواب من قبل قضاة النيابة العامة بحسب المادة 49 أ.م.ج

حقوق المحتجز بعد التعديل

نظراً للكثير من التجاوزات المرتكبة من قبل قوى الأمن والضباط العدليين جاء المشرع بهذه التعديلات حفاظاً على حق الدفاع المقدّس  وقرينة البراءة التي يستحقها المحتجز خلال فترة التحقيقات الاولية والابتدائية وصولاً الى الحكم النهائي اما يدان او يحكم بالبراءة او وقف التعقبات, وخلال هذه الفترة لا بدّ من أن يتمتع  بحقه بالبراءة الى حين ثبوت ادانته. انطلاقاً من هذا المبدأ وجد المشرع بأن من حق المشتبه به الاستماع الى اقواله او استجوابه وعدم المماطلة وهذا الامر لا بد من أن ينص عليه لمنع  انتهاك المهل القانونية كما نصت عليها المادة  و42 و 47 من هذا القانون , إن مدة الاحتجاز يجب أن لا تتجاوز 24 ساعة في الجناية المشهودة ويمكن ان تمدد الى أربعة أيام بقرار معلل من النيابة العامة. وحيث أن نصت المادة 47 على أن قرار الاحتجاز يكون بقرار من النيابة العامة ومدة لا تتجاوز ثمانية وأربعين ساعة ويمكن تمديدها مدة ممثالة بموافقة النيابة والا يعتبر محتجز الحرية , ومن هنا كان لا بد للمشرع ان يحث الضباط العدليون على السرعة في اجراء التحقيقات في حين أن هذا الحث لم يكن منصوص عليه قبل التعديل

وحيث أن نصت ايضاً على امكانية الاستعانة بمحام ومقابلتة اثناء التحقيق الاولي, وهذا ابرز ما جاء بهذا التعديل لأن ما قبل التعديل كان هناك التباس في الامر لأن المشرع لم ينص على امكانية الاستعانة بمحام بل كان ينص على امكانية مقابلته وهذا يعني انه لا دور للمحامي في مرحلة التحقيقات الاولية بحيث لم يكن بقدرته  حضور الاستجواب أو مقابلته على انفراد وهنا كان لا بد من الاشارة أن الاستجواب الذي يجريه النائب العام او احد المحاميين العاميين كان يعطي  الحق للمشتبه به الاستعانة بمحام وبالتالي لماذا المشرع لم يسمح بهذا عند الضباط العدليين ؟ عاد واستدرك الأمر  واصبحنا نطبق عبارة ” لم اتكلم الا بوجود المحامي ” بكل حذافيرها

لا بد لإشارة عن اهمية هذا التعديل  في المنحى العملي, إن المشتبه به يمكن ان يدلي بأقوال يكون لها تأثير سلبي جداً على موقفه في المحكمة وخاصة أنه تعتبر أقواله بمثابة اعترافات لا يستطيع الرجوع عنها الا بادعاء أنه تعرض للضرب أو الاكراه المعنوي فهنا دور المحامي ذو اهمية بالغة بحيث يستطيع أن يمنع أي ضغوطات يمكن أن تمارس على المشتبه به أو اساليبٍ ملتوية لأخذ أكبر قدر من المعلومات ومن هنا جاء التعديل الاهم في هذه المادة

هذا التعديل الذي كان له بريق خاص لأن ما اعتاد عليه شعبنا هو الضغط النفسي والجسدي للإجبار على الإعتراف الى حين يصل أحياناً الاعتراف بأفعال لم يرتكبها للتخلص من تلك الضعوطات والتعذيب الذي يمارس بحقه ,ونظراً لأهمية التحقيقات الأولية التي غالباً يكون لها الدور الأساسي في اكتشاف مرتكبي الجرائم في حين ان الدلائل تكون واضحة وصعوبة اخفاء معالم الجريمة والأدلة, فمنعاً من ابطالها لإدعاء المدعى عليه بأنه تعرض لإنتهاكات جسدية ومعنوية  وأخذِت أقواله عنوةً عنه. انطلاقاً من أهمية هذه التحقيقات , وبالإضافة لمنع ممارسة اسلوب الاكراه والتعذيب الذي أوصت به لجنة مناهضة التعذيب في الأمم المتحدة الدولة اللبنانية بوجوب اتخاذ اجراءات تتعلق بالضمانات الاساسية للموقوفيين, جاء المشرع بوجوب تصوير الجلسات التحقيق بالصوت والصورة وتمكيين القضاة والمحاميين من الحصول عليه وبالتالي نستطيع الآن القول أن زمن الاستبداد والذل والتعنيف والتعسف السلطة قد ولىّ وأصبحت الأمور أوضح لقضاة الحكم لإتخاذ قرارات تتعلق بمصير المدعى عليهم, وضمان صحة التحقيقات المعرضة للبطلان

وحيث أن نص هذا القانون على وجوب تأمين محام له اذا كان متعسّر مادياًّ وطلب محامي ومنع اجراء الاستماع قبل حضوره كما يطبق عن قضاة التحقيق, وبالتالي توسيع ضمانات وحقوق المشتبه به

وأخيراً إن أصبح موقف المشتبه به عند الضابطة العدلية والمدعى عليه عند قاضي التحقيق على نحو متشابه جداً, حيث أن لم يعد هناك امكانية الضابط العدلي أن يكره المشتبه به على الكلام ولا يعتبر صمته قرينة على ما هو مسند اليه, هذا الحق لم يكن منصوص عليه بالمادة 47 قبل التعديل بل كان يطبق عند قضاة التحقيق كما نصت عليه المادة 78

وبإختصار يمكن القول أننا تحررنا من قيود الضغط والتعذيب وتوسعت حقوقنا كمشتبه بهم وصعِب دور الضباط العدليين لأن لم تعد أجسادنا ملكهم وكراماتنا تحت ارجلهم, ولكن هل يمكن القول بأن لبنان خطى خطوة مهمة في حماية حقوق المحتجزين وصون كرامتهم وقدّس حق الدفاع المقدّس اكثر؟


Aya Ozeir
Aya Ozeir

DSP1

شغفي ان أسعى إلى التثقيف القانوني ليعرف الناس حقوقهم وواجباتهم وحدود حريّاتهم، نطبق القانون كما يجب أن يطبق لأنه الوسيلة الوحيدة لتطو المجتمع ونشله من زوايا التخلف والعجرفة واستيفاء الحق بالذات