“الفرعيّة” تسقط “الشّرعيّة”


Paula Yaacoubian | Resigned MP | Lebanon Law Review

لم تقتصر أثار انفجار الرّابع من آب على ما خلّفته من ضحايا بشريّة وأضرارٍ مادّيّة وحتّى وصلت تردّداته لتهزّ أعلى طبقات الغلاف الجوّيّ بل تخطّت كلّ ذلك لتصل إلى المجلس النّيابيّ محدثةً تصدّعاً في بنيته المهترئة أصلاً آخذةً الطّابع الميثاقيّ-الدّستوريّ؛ وتجلّى هذا التّصدّع باستقالة النّوّاب سامي الجميّل، نديم الجميّل، الياس حنكش، بولا يعقوبيان، نعمة افرام، مروان حماده، ميشال معوّض وهنري الحلو. على خطٍّ آخر، لم يسلم المجلس النّيابيّ من براثن جائحة كورونا الّتي بدورها أودت بحياة النّائبين ميشال المرّ وجان عبيد. وبهذا يكون المجلس قد خسر من عدده عشرة أعضاء. وقد ثار إزاء ذلك جدل حول دستوريّة المجلس النّيابيّ ومدى قابليّته للقيام بمهامه في ظلّ عدم إظهار الحكومة لأيّة رغبة أو نيّة لإجراء انتخابات فرعيّة صمن المهل الدّستوريّة تحت ذريعة تعذّر دعوة النّاخبين إلى مراكز الاقتراع في ضوء انتشار وباء كوروانا المستجدّ، مع العلم أنّ الوسائل جمّة لإجراء انتخابات آمنة على غرار دولٍ عدّة

تحت بند “الاصلاحات السّياسيّة”، أتت وثيقة الوفاق الوطنيّ الّتي أقرّت في اتّفاق الطّائف لتضيف إلى المادّة ٢٤ من الدّستور الفقرة الّتي تنصّ صراحةً على ما يلي:” وإلى أن يضع مجلس النّوّاب قانون انتخاب خارج القيد الطّائفيّ، توزّع المقاعد النّيابيّة وفقاً للقواعد الآتية: أ-بالتّساوي بين المسيحيّين والمسلمين” وقد أتت هذه الإضافة لتكريس مبدأ الميثاقيّة والعيش المشترك الّذي كان سبباً من أسباب الاقتتال الطّائفيّ طوال سنوات الحرب الأهليّة قبل التّوصّل إلى صيغة مشتركة ترضي الجميع وتوقف الصّراع الدّائر آنذاك. وعطفاً على ذلك، يرجعنا الحديث عن الميثاق والعيش المشترك إلى مقدّمة الدّستور بفقرتها “ي” حيث نزعت الشّرعيّة عن أيّة سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك وكم بالحريّ إذا كانت السّلطة التّشريعيّة أمّ السّلطات وممثّلة الأمّة جمعاء هي من تناقض الميثاق؟

وحرصاً منه على ما سبق ذكره، وعند خلوّ مقعد في المجلس النّيابيّ، أوجب المشرّع على المعنيّين “الشّروع في انتخاب الخلف في خلال شهرين ولا تتجاوز نيابة العضو الجديد أجل نيابة العضو القديم الّذي يحلّ محلّه. أمّا إذا خلا المقعد في المجلس قبل انتهاء عهد نيابته بأقلّ من ستّة أشهر فلا يعمد إلى انتخاب خلف” سنداً لأحكام المادّة ٤١ من الدّستور وأتت المادّة ٤٣ من القانون رقم ٤٤/٢٠١٧ لتنظّم الانتخابات الفرعيّة بمهلها وضوابطها وتفاصيلها متطابقة مع أحكام الدّستور

كما يبدو واضحاً، لقد مرّ على استقالة النّوّاب الثّمانية السّابق ذكرهم-أيّ خلوّ ثمانية مقاعد- أكثر من شهرين ولم يصار إلى إجراء انتخابات فرعيّة لملء الشّواغر بالمّهل الدّستوريّة والقانونيّة بل كان الحديث على أنّه ثمّة قرار يفضي إلى إجراء الانتخابات في أواخر شهر نيسان ٢٠٢١ أو إلى توجيه الدّعوة إلى الهيئات النّاخبة في أواخر شهر آذار على أن تجرى الانتخابات في شهر حزيران ويترافق ذلك مع تردّد المعنيّين بالموضوع رئيسيّ الجمهوريّة والحكومة بإصدار مرسوم دعوة الهيئات النّاخبة بذريعة تفشّي وباء كورونا علماً أنّ الولايات المتّحدة وفي ظلّ انتشار كورونا أجريت انتخابات رئاسيّة مع اتّباع أبسط سبل الوقاية

على مقلبٍ آخر، لا يمكن إغفال النّتائج الميثاقيّة لشغور تلك المقاعد العشر بحيث أنّ تسعة من أولئك النّوّاب المستقيلين والمتوفّين هم من المسيحيّين ونائب واحد من المسلمين وبذلك يكون قد اختلّ التّوازن في المجلس النّيابيّ الّذي ينتخب أعضاؤه مناصفةً بين المسلمين والمسيحيّين بحيث أصبح عدد النّوّاب بأسرهم ١١٨ تقسم على الشّكل الآتي: ٥٥ نائب مسيحيّ مقابل ٦٣ نائب مسلم

Lebanese Parliament | Lebanon Law Review

وبالعودة إلى المادّة ٤١ من الدّستور والمادّة ٤٣ من القانون ٤٤/٢٠١٧، لقد منح المشرّع مهلة الشّهرين بهدف التّحضير والإعداد لإجراء الانتخابات ولا يجوز تعديل هذه المهلة إلّا بتعديلٍ دستوريّ، كما أنّ المادّتين المذكورتين ذكرتا مهلة السّتّة أشهر الواقعة بين شغور المقعد وموعد انتهاء ولاية المجلس حيث لا يصار إلى انتخاب الخلف إذا حصل شغور لأنّ هذه المهلة غالباً ما تكون فترة تحضير للانتخابات العامّة المنويّ إجراءها ولإطلاق الحملات الانتخابيّة ما يجعل التّرويج لعدد محدود من المرشحين لتولّي النّيابة لفترة وجيزة أمر غير منطقيّ عمليّاً

ويمكن أن نستنتج ممّا ذكر أنّ المشرّع الدّستوريّ أظهر نوعاً من الحزم حيال الانتخابات الفرعيّة لدرجة تحديد مهل “دستوريّة”-وهذا أمر نادر الحصول- ما يحملنا إلى التّنبّه لمدى حرصه على التّوازن الطّائفيّ في المجلس التّشريعيّ الّذي يمثّل الأمّة جمعاء على اختلاف انتماءاتها وصوناً لميثاق العيش المشترك الّذي وفي حال نقضه يؤدّي إلى إسقاط الشّرعيّة عن أيّة سلطة تناقضه، حسبما جاء في الفقرة “ي” من مقدّمة الّدستور اللّبنانيّ

استخلاصاً، لم يأت الدّستور بمهله من العدم، وما كانت يوماً أحكامه للانتقاء أو على سبيل الاستئناس بل لتفرض فرضاً بالتّوازي مع صعوبة تعديل أحكامه، وهذه هي حال الدّستور اللّبنانيّ الّذي ينتمي لأسرة الدّساتير الجامدة. فإنّ إجراء انتخابات نيابيّة فرعيّة أمسى استحقاقاً دستوريّاً يحول تخطّيه دون احترام إرادة الشّعب ويعرّض المناصفة والتّوازن داخل البرلمان للاختلال وميثاق العيش المشترك للنّقض وبالتّالي تعريض المجلس لإسقاط الشّرعيّة الدّستوريّة عنه. إذاً، تبقى الإشكاليّة حول الآليّة الدّستوريّة الّتي يمكن اعتمادها لحلّ المجلس النّيابيّ مع الإشارة إلى عدم إتيان الدّستور على ذكر هكذا آليّة ما يعني أنّ الانتخابات الفرعيّة يبقى متوجّب إجراؤها ولو بقي نائب واحد واستقال ١٢٧

لقد ضاق الشّعب اللّبنانيّ ذرعاً من المخالفات الدّستوريّة الّتي لا تعدّ ولا تحصى، سئم اللّبنانيّون سماع أعذار وذرائع أقبح من الذّنوب الّتي ارتقت إلى مستوى الكفر. لو طبّق الدّستور بحرفيّته، كم كنّا تجنّبنا الذّلّ الّذي نعانيه اليوم؟

على من أقسم على الدّستور أن يؤتمن على تطبيقه بحرفيّته، ففي الأزمات الوطنيّة لا مخرج ولا حلّ إلّا من خلال تطبيق الدّستور والعودة إلى مؤسّساته


Peter Hachem
Peter Hachem

DSP2

كلّ دولة في العالم بحاجة لدستور يحدّد إطارها وينظّم العمل في ما بين سلطاتها، فالدّستور يعتبر أب القوانين وأسماها، منه تنبثق القوانين الأخرى وإليه يتمّ الاحتكام، لذلك فإنّ نشر الثّقافة الدّستوريّة الّتي من شأنها الارتقاء بالمواطن إلى مستوًى يجعل منه فرداً صالحاً قادراً على التّمتّع بحقوقه المدنيّة والسّياسيّة واستخدامها في الأوقات المناسبة


المراجع

الدّستور اللّبنانيّ –

وثيقة الوفاق الوطنيّ –

القانون ٤٤/٢٠١٧ –