المرأة في القانون أسيرة التخلّف


قيل أنها نصف المجتمع، نجدها خلف كلّ رجل عظيم، صانعة الرجال.. و غيرها من الشعارات التي يطلقها السياسي في خطابه طامعاً بحصد شعبيةٍ و جماهريّة، ناهيك عن الفلاسفة و الشعراء الذين أنصفوا بها المرأة، بمعنى آخر”هرطقة اجتماعية” و حسب القانون بدوره وجدها عبئاً على المجتمع مرهقةً كاهله فلجأ إلى تدميرها دستوريّاً في عدد كبير من أحكامه بمنطقٍ بعيدٍ كل البعد عن المنطق الفرنسي القائل أنه “إذا أردت أن تعرف رقيّ أمّةٍ فانظر إلى نسائها”. هذا و بالخلاف لمعظم دساتير دول العالم لم ينصّ الدستور اللبناني صراحةَ على مساواة المرأة بالرجل إنّما اكتفى في المادة السابعة منه باعتبار المواطنين و المواطنات سواسية أمام القانون في الحقوق المدنية و السياسية

في قانون الأحوال الشخصية و الجنسية

رغم توقيع لبنان على اتفاقية “سيداو” الهادفة إلى القضاء على كافة أشكال التمييز ضدّ المرأة إلا أن قوانين الأحوال الشخصية ال ١٥ لشتّى الطوائف تحمل في طياتها إجحافاً بحق المرأة اللبنانية إذ لا نجد في قوانين المحاكم الدينية مبدأ الحضانة المشتركة فتُعطى الأم هذا الحق حتى سنٍّ معينة تختلف بحسب الطوائف محقّقةً غالباً إجحافاً بحق الطفل الذي يُحرم حضن أمه و هو بأمسّ الحاجة لها و يُعطى هذا الحق في أغلب الأحيان للأب لغايات بطبيعتها تمييزية ضد المرأة إضافةً إلى ظاهرة زواج القاصرات الشرعيّ بحسب معتقدات و قوانين معظم الطوائف اللبنانية ناهيك عن مسألة الطلاق حيث يُستجاب لطلب الرجل في هذا الإطار مع منحه أقصى التسهيلات في حين نشهد عراقيل جمّة تحول في معظم الأحيان دون اكتساب المرأة حقها بالطلاق بأسلوبٍ مبسّط منح الطلاق بإرادة منفردة تعسفيةو بالعودة إلى مكامن التجاوزات و الاستنسابية في قانون الجنسية العائد إلى حقبة الإنتداب الفرنسي يُمنع على المرأة اللبنانية المتأهلة من أجنبي منح جنسيتها لزوجها أو أولادها في حين يجوز للرجل المتزوج من أجنبية منحها الجنسية اللبنانية بعد سنة على تسجيل الزواج هذا و الحجّة المستهلكة لعدم منح هذا الحق البديهي للمرأة تقوم على التخوّف على ديموغرافيا البلاد و قد صرّح رئيس حملة “جنسيتي كرامتي” في هذا الإطار أنه من يتكلم عن الديموغرافيا نقول له معركة الأعداد خاسرة و الآن بقي للجميع المعركة الحقوقية و الأخلاقية و الإنسانية و آن لهذه القضية أن تخرج من البازار السياسي

المرأة في خضمّ قانون العقوبات

لم يرحم قانون العقوبات المرأة في شتّى أحكامه مرسّخاً دونيّتها في مجتمعنا و تهميشها صراحةً فعلى سبيل المثال فيما خصّ جرائم الشرف التي نصت عنها المادة ٥٦٢ عقوبات حيث يستفيد من العذر المخفف من فاجأ زوجه..في جرم الزنا المشهود..و أقدم على جرم القتل.. فيستفيد من العذر المخفف المشار اليه في تلك المادة الذكور من العائلة كالزوج بالنسبة لزوجته أو الأخ الذي يقدم على قتل أخته تحت شعار “الدفاع عن الشرف” مما يشرّع ارتكاب الجرم برصيد موروث و عرف عشائري بالي داعم، أمام هذا الواقع المؤسف نجد أنه من البديهي إلغاء بل إعدام تلك المادة ذلك و أنها تقوم بتأطير أبشع الجرائم -القتل- بالشرعية و العمل الأخلاقي

من ناحية أخرى، ها هي القوانين المعاقبة جرم الزنا تبرزُ معزّزةً من سلطة الرجل في مجتمعنا فالمواد ٤٧٨-٤٨٨ من قانون العقوبات تعاقب المرأة الزانية بالحبس من ثلاثة أشهر حتى سنتين سواء حصل فعلها هذا في المنزل الزوجي أو خارجه أما الرجل الزاني فيقضي عقوبته بالحبس من شهر إلى سنة كحدّ أقصى مع اشتراط ارتكابه لفعل الزنا في البيت الزوجي و حسب دون أن نغفل أن المرأة التي تتعرّض للخيانة حدّد لها الدستور قواعد لإثبات خيانة زوجها حصرا لتعقيد المسألة عليها فيما أُعطى الرجل قواعد إثبات مطلقة بئساً، هنا نلحظ ترسخ المعتقدات و احكام المجتمع الذكوري بوقاحة صريحة

في التمثيل السياسي و قطاع العمل

بعد أكثر من نصف قرن على منح المرأة اللبنانية حق التصويت و الترشح ما زالت حتى يومنا هذا لم تكتسب فرصتها الحقيقية في المشاركة السياسية في الوقت الذي يسجل تمثيل النساء في البرلمان معدل عالمي يُقدر ب ٢٢،٣ بينما يقتصر في لبنان على ٣% فقط فاحتلّ لبنان بذلك المرتبة ١٧٧ من أصل ١٨٥ دولة في هذا الميدان، هذا الواقع دفع المجتمع المدني إلى تكثيف المطالبة بكوتا نسائية تضمن تواجد المرأة بنسبة معينة في السياسة بذلك تنقسم الأفرقاء السياسية بين مؤيد للكوتا و رافض لمبدئها. علاوةً على رضوخ المرأة في كثير من الأحيان للعديد من شروط الإذعان فنجدها تعمل من دون أي استفادة من تقديمات الضمان الإجتماعي و في الوقت عينه نلحظ تبوؤ النساء في العالم رئاسة بلادهم ناهيك عن مناصب جمّة على قدرٍ من المسؤولية بينما في لبنان ما زلنا نعاني من تمثيل خجول للمرأة في مجالات صنع القرار و تولّي مهام رائدة و الحجة المتوافق عليها تدور في افق ان المراة بانوثتها لن تفلح في فرض هيبة و التاثير بما يلائم سير البلاد غافلين ان الامر يقتصر على عقول و كفاءة

العنف الأسري و التحرش الجنسي

عام ٢٠١٧ ألغى لبنان المادة ٥٢٢ من قانون العقوبات التي تسقط العقوبة عن المغتصب في الحالة التي يتزوّج من ضحيته, هذا النوع من العنف حدّده القانون الحالي للعنف الأسري بشكل ضيق مع عدم تجريم الإغتصاب الزوجي بالإضافة إلى إقرار القانون رقم ٢٩٣ المتعلق بحماية سائر أفراد الأسرة من العنف الأسري الذي لم يسلم من الثغرات فلم يجرّم فعل إكراه الزوجة على الجماع أو الإغتصاب الزوجي بحد ذاته إنما الضرب و الإيذاء و التهديد فقط الذي يلجأ إليه الزوج للحصول على الحقوق الزوجية و من اجل معاقبة المعنّف وجب على زوجته التقدّم بشكوى قضائية في حين أن إسقاطها للشكوى يوقف ملاحقة المعنّف

إزاء جميع المعطيات الآنفة الذكر ما عسانا نفعل سوى التأسف لواقعٍ ينحت مصيرنا في قرنٍ وجب فيه التقدّم مع تطور العصر و إلا فثورة للنساء على كل معدمٍ لحقوقهم الطبيعية بدءا من راس الهرم في القانون حتى أدنى رجال الدولة شأناً فتثبت جدارتها و تنصف نفسها بنفسها بإطاحة شتّى مجالات العمل مؤثرةً و مطوّرة في مجالاته


Layal Maalouf
Layal Maalouf

DSP2
الحرية هي الحق في أن تعمل ما يبيحه القانون


المراجع

قانون العقوبات اللبناني-

قانون التعنيف الأسري رقم ٢٩٣-

موقع جنسيتي كرامتي-

قانون الأحوال الشخصية-

قانون الجنسية-