التّعبئة العامّة… بين الحرّيّات والسّلامة العامّة


ما إن سجّل لبنان أولى الإصابات بوباء كورونا في ٢١ شباط ٢٠٢٠ حتّى أخذ اللّبنانيّون يراقبون بحذر ما ستقدم عليه الدّولة لتفادي انتشار العدوى، وهم الّذين اختبروا فشل هذه الأخيرة في كافّة المجالات. إلى أن بلغ “الهلع” حدّه الأقصى لدى اللّبنانيّين خلال أوّل أسبوعين من شهر آذار ٢٠٢٠ ما دفع بالمجلس الأعلى للدّفاع إلى الانعقاد فرفع الإنهاء إلى الحكومة باتّخاذ القرار بإعلان حالة التّعبئة العامّة المنصوص عليها في المادّة الثّانية من المرسوم الاشتراعيّ رقم ١٠٢/٨٣ قانون الدّفاع الوطني. وقد أثار إقرار التّعبئة العامّة تساؤلات دستوريّة عديدة لما تناوله مرسوم التّعبئة من تقييد لحركة التّنقّل وتحديد أوقات الولوج والخروج الى الطّرقات العامّة وإغلاق الدّوائر والإدارات والمؤسّسات والشّركات العامّة والخاصّة ما عدا تلك الّتي يساهم فتحها بمواجهة الوباء وتأمين الحاجات الأساسيّة للمواطن

موقف القانون من التعبئة العامة

بالعودة إلى الدّستور، أناطت الفقرة “٥” من المادّة ٦٥ منه صلاحيّة اتّخاذ القرار بإعلان التّعبئة العامّة للحكومة بغالبيّة الثّلثين، وقد اجتمع مجلس الوزراء بتاريخ ١٥/٣/٢٠٢٠ واتّخذ قرار إعلان حالة التّعبئة وما تبعه من مقرّرات وتوصيات من شأنها رفع الجهوزيّة لمواجهة الوباء، وكما نصّت المادّة ٢ فقرة ٣ من المرسوم الاشتراعيّ ١٠٢/٨٣ فقد صدرت مراسيم تتضمّن أحكاماً خاصّة تهدف إلى فرض تدابير وقائيّة إلزاميّة كتنظيم ومراقبة النّقل والانتقال والمواصلات على سبيل المثال لا الحصر؛ ويمكننا استبيان ذلك من قرار مجلس الوزراء تاريخ ١٥/٣/٢٠٢٠ الّذي حمل المواطنين على التزام المنازل إضافةً إلى إغلاق المرافق العامّة والخاصّة ما عدا بعضها لتأمين الحاجات الضّروريّة. وتبع هذا القرار قرارات عدّة تقيّد حركة التّنقّل المصانة في الدّستور إلى حدّ اعتماد نظام المفرد والمزدوج وتحديد الأوقات الّتي يسمح فيها بالتنقّل كما السّماح لمؤسّسات وشركات معيّنة بفتح أبوابها ضمن ساعاتٍ محدّدة، وهذا ما أثار تحفظاً لدى البعض الّذين يعتبرون أنّ الحرّيّة الشّخصيّة -مع ما ينضوي تحتها من حرّيّات- يكفلها الدّستور بمادّته الثّامنة حيث أنّ لكلّ لبنانيّ حرّيّته الشّخصيّة المصونة في حمى القانون لا يمكن تقييدها إلّا وفقاً لأحكام القانون وهنا برزت بشكلٍ لافت مدى دستوريّة الإجراءات المتّخذة لناحية حرّيّة التّنقّل. من جهةٍ أخرى، إذا ألقينا نظرةً على الفقرة “و” من مقدّمة الدّستور يظهر جليّاً أنّ الدّولة اللّبنانيّة بنظامها السّياسيّ قائمة على النّظام الاقتصاديّ الحرّ حيث لا تدخّل للدّولة وهذا ما أدّى إلى انتقاد الحكومة في أحيانٍ عدّة بعد قرارها بإغلاق المؤسّسات والشّركات وشتّى المرافق الاقتصاديّة

إذا أردنا الغوص قليلاً في نيّة المشرّع، نلاحظ أنّه أورد كلمة “قانون” في أغلب مواد الفصل الثّاني من الباب الأوّل في الدّستور، وهذا ما يدلّنا على إلحاح المشترع على وجوب إقرار القوانين اللّازمة الّتي ترعى حقوق اللّبنانيّين وواجباتهم وتضع الحدود لحرّيّاتهم، هذا هو شأن المادّة ٨ الّتي تناولت صون الحرّيّة الشّخصيّة وعدم جواز التّعرّض لها إلّا وفقاً للقانون، وبمعزل عن اقتران هذه المادّة بشكل أو بآخر بقانون العقوبات لقد تحدّث قانون الدّفاع الوطنيّ عن بعض الحالات الّتي يكون فيها الحدّ من الحرّيّات ضروريّاً لمواجهة الأخطار الّتي تهدّد السّلامة العامّة فهذا لا يعني أن القانون هنا يخالف الدّستور، بل أتى بهدف بلورة المبدأ الدّستوريّ وتكميله. كذلك الحال بشأن مقدّمة الدّستور، حيث حدّد المشترع الطّبيعة الحرّة للاقتصاد اللّبنانيّ بما مفاده انه لا وجود لأيّ شكل من أشكال وضع اليد من قبل الدّولة على القطاعات الاقتصاديّة، إلّا أنّ المرسوم الاشتراعيّ ١٠٢/٨٣ كما المرسوم الاشتراعيّ ٥٢/٦٧ قانون إعلان حالة الطّوارئ أو المنطقة العسكريّة قد تحدّث عن إمكانيّة اتّخاذ الدّولة بعض التّدابير كالإقفال والإغلاق والمصادرة في مواجهة الأخطار وكيف الحال إذا كان هذا الخطر يتمثّل بوباء سريع الانتشار. من هنا يمكننا الملاحظة إلى أنّ المشترع أراد منح المواطن هامشاً واسعاً من الحرّيّة الفرديّة لكنه في المقابل شدّد على إلزاميّة وجود تشريعات تنظّم الحرّيّات كافّة الّتي وفي حال انفلاتها قد تصبح مصدر خطر على الأمن القوميّ مهدّدة لربما بزوال الأمّة، فالحرّيّة المطلقة تساوي ظلم مفرط، وبحسب إبن خلدون: إنّ الظّلم مؤشّر بخراب العمران

بين خرق القوانين و قيد الحريات

إزاء هذا الجدل المثار منذ نحو سنة تقريباً، وبعد هذا السّرد، لجأت الحكومة مكرهةً إلى القوانين الّتي ترعى الأحوال الاستثنائيّة وحالات الأخطار المهدّدة للكيان وقيّدت حرّيّة المواطن المصانة بالدّستور، ومهما حاولت بعض النّظريّات أن تدلّ على مخالفة التّعبئة العامّة والتّدابير الوقائيّة لمواجهة وباء كورونا للدّستور يخرج أرنب الظّروف الاستثنائيّة من قبّعة العديد من القوانين والاجتهادات الّتي تناولت هذه المسألة وهي بالتّالي تكون قد سمحت بخرق الدّساتير والقوانين ومخالفة بعض الإجراءات القانونيّة في حال حدوث أخطار تهدّد كيان الدّولة واستمراره مثل الحروب والكوارث الطّبيعيّة و الأوبئة والأمراض؛ ولعلّ أبرز هذه الاجتهادات قرار لمجلس الدّولة الفرنسيّ سنة ١٩١٨ الّذي حدّد أربعة شروط يجب توافرها لكي تستحصل الإدارة على “الشّرعيّة الاستثنائيّة” كضرورة توفر ظرف استثنائيّ، صعوبة مواجهة الظّروف الاستثنائيّة بالوسائل العاديّة، تناسب الإجراء المتّخذ مع الظّرف الاستثنائيّ الّذي تواجهه الإدارة، و ذلك مع انتهاء سلطة الإدارة الاستثنائيّة بانتهاء الظّرف الاستثنائيّ. في النّتيجة، إنّ تطبيق الدّساتير والقوانين بأكملها لن يحول دون مواجهة ظروف استثنائيّة تتطلّب إجراءات خاصّة خارجة عن نطاق القانون العاديّ ووجب التّعاطي معها بواقعيّة بالتالي لا مجال للتّطبيق الحرفيّ للنّصوص

سيّان أن نؤيّد التّعبئة العامّة أم نعارضها، نؤيّد الإغلاق التّامّ أم نعارضه، يبقى ما لا لبس فيه هو أنّنا أمام ظرف أكثر من استثنائيّ، أمام كارثة عالميّة لها تكلفتها الباهظة والجدل حول دستوريّة الإجراءات لن يجدي نفعاً، جلّ ما يمكن القيام به هو التّقيّد بإرشادات الجهات العلميّة الطّبّيّة، ولو كانت فاتورة تلك الاجراءات باهظة اقتصاديّاً فإنّ فاتورة عدم الالتزام باهظة أكثر إنسانيّاً وصحّيّاً. أخيراً، إنّ التزام المواطن وحده لا يكفي، وفرض الدّولة للتّدابير الوقائيّة دون متابعتها أيضاً لا يكفي، لذلك من الملحّ التّوفيق ما بين وعي المواطن ومتابعة الحكومة الحثيثة، ولو كانت الدّولة بلا هيبة إن صحّ القول

Peter Hachem<br>
Peter Hachem

DSP2
كلّ دولة في العالم بحاجة لدستور يحدّد إطارها وينظّم العمل في ما بين سلطاتها، فالدّستور يعتبر أب القوانين وأسماها، منه تنبثق القوانين الأخرى وإليه يتمّ الاحتكام، لذلك فإنّ نشر الثّقافة الدّستوريّة الّتي من شأنها الارتقاء بالمواطن إلى مستوًى يجعل منه فرداً صالحاً قادراً على التّمتّع بحقوقه المدنيّة والسّياسيّة واستخدامها في الأوقات المناسبة

المراجع

الدّستور اللّبنانيّ-
المرسوم الاشتراعيّ رقم ١٠٢/٨٣ دفاع وطنيّ-
المرسوم الاشتراعيّ رقم ٥٢/٦٧ حالة الطّوارئ والمنطقة العسكريّة-
قرار مجلس الوزراء تاريخ ١٥/٣/٢٠٢٠-
قرار مجلس الدّولة الفرنسيّ سنة ١٩١٨-