مبدأ فصل السلطات


Separation of Powers

جاءَ الدستور اللبناني ليعلن عن ميلاد الدولة اللبنانية، التي اكتمل وجودها بوضعه وليؤكد على أنّ لبنان هو وطن سيّد حر مستقل ونهائي لكافة ابنائه وليكرّس مبدأ المساواة بإعتبار ان حقوق وواجبات المواطنين تجاه موطنهم هي واحدة دون تمايز او تفضيل بينهم. كما انه حدد طبيعة النظام السائد في لبنان

وبناءً على ذلك تضمنت مقدمة الدستور اللبناني التي تم وضعها بعد التعديل الاخير للدستور في العام ١٩٩٠ ما يجب ان يسود في المجتمع من مبادئ سياسية، اجتماعية واقتصادية أخذت من وثيقة الوفاق الوطني. إذ نصت في الفقرة ‘ج’ منها على ان لبنان هو جمهورية ديمقراطية برلمانية. كما كرّست الفقرة ‘ه’ منها مبدأ فصل السلطات،  معتبرة ان ” النظام قائم على مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها ” .  فإن السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) المكونة للدولة اللبنانية بالرغم من أن لكل منها صلاحيات ووظائف مختلفة إنما وجدت لتكمّل بعضها البعض ولكل منها الحق بمراقبة ومحاسبة السلطة الاخرى

بمن تناط هذه السلطات وما هو تفسير هذا المبدأ؟

السلطة التشريعية بحسب المادة ١٦ من الدستور مناطة بمجلس النواب الذي يتولى تمثيل الشعب المؤلف من ١٢٨ نائبا على أن توزع المقاعد النيابية بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين ونسبياً بين طوائف كل من الفئتين ونسبياً بين المناطق. فلبنان قد أخذ بمبدأ وحدانية البرلمان بعد أن أُلغي مجلس الشيوخ بموجب التعديل الأول للدستور في العام ١٩٢٧

السلطة التنفيذية بحسب المادة ١٧ من الدستور مناطة بمجلس الوزراء الذي يضع السياسة العامة للبلاد. يعين رئيس مجلس الوزراء من قبل رئيس الجمهورية بالتشاور مع مجلس النواب وجرت العادة ان يكون مسلما من الطائفة السنية، على ان يقوم بتشكيل الحكومة وتسمية الوزراء بعد تعيينه. الى جانب مجلس الوزراء الذي يعتبر عضو جماعي تتجسد السلطة التنفيذية بعضو آخر مستقر، وهو رئيس الجمهورية باعتبار أن لبنان قد أخذ بالثنائية التنفيذية

والسلطة القضائية حددتها المادة ٢٠ من الدستور اذ نصت ” السلطة القضائية تتولاها المحاكم على اختلاف درجاتها واختصاصاتها ضمن نظام ينص عليه القانون ويحفظ بموجبه للقضاة والمتقاضين الضمانات اللازمة. أما شروط الضمانة القضائية وحدودها فيعينها القانون. والقضاة مستقلون في إجراء وظيفتهم وتصدر القرارات والأحكام من قبل كل المحاكم وتنفذ باسم الشعب اللبناني”. إن مبدأ فصل السلطات يعني ان تمارس كل سلطة صلاحياتها في الميدان الذي اوكله اليها الدستور، وان لا تتجاوز سلطة على صلاحيات سلطة اخرى وذلك حفاظا على قاعدة  التوازن في اطار التعاون خاصة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. يقوم هذا المبدأ على فكرة اساسية وهي فكرة استقلال كل سلطة في ممارسة الاعمال المنوطة بها للحؤول دون طغيان وتأثير سلطة على أخرى. الا ان هذا المبدأ ليس مطلقا و لا يعني انفصالا تاما بين هذه السلطات، بل هو مبدأ نسبي محدود بالغاية التي وضع لأجلها وهي عم تعدي وطغيان سلطة على أخرى.                                                        إن مبدأ فصل السلطات هو من أهم المبادئ والأسس التي تقوم عليها الدولة الديمقراطية، كما أنه يشكل ركناً اساسياً من اركانها، إن فقدان هذا المبدأ من شأنه إحداث خلل في التوازن السياسي. فإذا كانت السلطة القضائية مثلا التي تندرج مهمتها تحت محاسبة المخالفين للقانون والمنتهكين للدستور متقاعسة عن القيام بوظيفتها فستسود الفوضى ولن نكون إلا أمام حقوق منتهكة. يتبع هذا المبدأ مبدأ آخر لم ينص عليه القانون إنما هو نتيجة بديهية وحتمية له وهو مبدأ توازن السلطات وتعاونها. يقوم هذا المبدأ على ضرورة تعاون كل سلطة مع الاخرى وأن لا تعمل كل منها في ميدان مغلق.  فكل سلطة تمارس الصلاحيات التي أوكلها إياها الدستور بإستقلالية لكن تحت مراقبة السلطات الأخرى التي تكون ملزمة بأن تستثبت أن أعمال هذه السلطة غير مخالفة للقانون والدستور. وبهذا الإطار سمح الدستور لمجلس النواب عدم إعطاء الثقة للحكومة (الفقرة الثانية من المادة ٦٤ من الدستور) او طرح هذه الثقة ( المادة ٦٦ من الدستور) فبقاء الحكومة مرتبط بثقة البرلمان وبالمقابل يكون لمجلس الوزراء حل مجلس النواب في حالات معينة (المادة ٥٥ من الدستور). فمتى ما كان هذا المبدأ قيد التطبيق كنا امام دولة بكل ما للكلمة من معنى وكانت العدالة سائدة بين مواطنيها، فالأشخاص المدنيين هم متساوين مع السياسيين لناحية الخضوع للدستور والقانون فليس من العدل ان يتم إعفائهم من المسؤولية وعدم محاسبتهم على أخطائهم وأفعالهم فقط لكونهم جزء من الطبقة السياسية

 فما هو واقع تطبيق هذا المبدأ في لبنان؟

ان التوازن والتعاون الذي يقضي به هذا المبدأ لا نجد له ادنى تطبيق في الواقع العملي والسياسي في لبنان. فباتت كل سلطة تتدخل بعمل الاخرى وتتعدى على صلاحياتها وتتحكم بقراراتها. ولعل ابرز مثال على ذلك هو الجمع بين صفة النائب والوزير. فكيف للسلطة التنفيذية ان تحاسب السلطة التشريعية ان كانت هي نفسها صورة مصغرة عن مجلس النواب. ومثال آخر على عدم تطبيق هذا المبدأ على ارض الواقع هو تدخل الاطراف السياسية بالشؤون القضائية  الامر الذي يخالف ويتناقد مع مبدأ حياد القاضي الذي يعتبر من اهم المبادئ التي يقوم عليها القضاء والذي ناشد من اجله العديد في لبنان معتبرين انه الدرجة الاولى من سلم الوصول للعدالة بما فيه من ضمانات تؤمن محاسبة الجميع بغض النظر عن إنتمائاتهم الطائفية و السياسية، الامر الذي يعزز الثقة والائتمان بالجسم القضائي

إضافة الى ذلك يظهر خرق هذا المبدأ في موضوع الحصانات. الحصانات النيابية مُنحت للنائب كضمانة لازمة وضرورية لحمايته والتي تكفل قيامه بمهامه التمثيلية بحرية واستقلال  فهي تشكل نظاما قانونيا مختلف عن النظام القانوني العادي الذي يطبق على عامة الناس، على أن لا تكون عائق يحول دون امكانية محاسبة النوّاب. فهذه الحصانات لم توضع بوجه السلطة القضائية  بل لهذه الأخيرة ان تطلب من مجلس النواب إسقاط هذه الحصانات ( بإستثناء حالة الجرم المشهود اذ تسقط حكما ) تطبيقا لمبدأ “السلطة تراقب السلطة” . وهنا يظهر على ارض الواقع تعسف السلطات بممارسة مهامها وتعطيل عمل السلطات الأخرى والتأثير على قراراتها لأغراض سياسية، فتكون هذه الميزة التي يتمتع بها النائب قد ساعدت على إفلاته من العقاب وحالت دون تطبيق مبدأ فصل السلطات. إن التعديل الاخير للدستور قد أحدث تغييرا جذريا في صلاحيات رئيس الجمهورية بعد أن كان محور الحياة السياسية والإرادة المحركة لسياسة الحكومة، إذ أناط بعضها بمجلس الوزراء (المادة ٦٥ من الدستور) والبعض الآخر برئيس مجلس الوزراء (المادة ٦٤ من الدستور) فلم يُبقي له سوى بعض الصلاحيات التي يمارسها بمشاركة كل من رئيس مجلس الوزراء ومجلس الوزراء ذات الصلة بالعمل التشريعي والسلطة التنفيذية، عدا بعض الصلاحيات الخاصة به لا سيما المتعلقة بمرسوم تشكيل الحكومة ومرسوم تعيين رئيس الحكومة. فكانت صلاحية تشكيل الحكومة منوطة برئيس الجمهورية منفرداً (المادة ٥٣ من الدستور قبل التعديل) وكانت مشاركة رئيس الحكومة في عملية التشكيل من باب التقاليد اللبنانية الغير مستندة لأي نص دستوري او قانوني، أما الآن فإن إعداد التشكيلة الحكومية يدخل ضمن صلاحية رئيس الحكومة فقط على أن يوقع على مرسوم التأليف رئيس الحكومة الى جانب رئيس الجمهورية. إن الواقع الآن يبيّن أن رئيس الجمهورية يتجاوز صلاحياته في هذا الإطار برفضه التشكيلة الحكومية بصورة تعسفية ولأغراض ومصالح سياسية لا ترجع بالنفع لأي لبناني بل تضر بالمصلحة العامة وخصوصا في الوقت الذي يحتاج فيه لبنان الى حكومة تساعد على إنتشاله من الأزمة الصعبة والكارثية التي يمر بها

 فيكون مبدأ المحاسبة والمراقبة بين السلطات قد تلاشى فأصبحت كل سلطة تعمل دون رقابة من أحد وبحسب مصالحها السياسية لا بل تعطل عمل السلطات الأخرى سعياً وراء مصالحها الخاصة تاركة وراءها مصلحة لبنان والشعب اللبناني


Rayan Zaghloul
Rayan Zaghloul

DSP1

“Change will not come if we wait for some other person, or if we wait for some other time. We are the ones we’ve been waiting for. We are the change we seek.” – Barack Obama.


المراجع

الدستور اللبناني

النظام السياسي والدستور اللبناني/ الدكتور عصام اسماعيل والدكتور حسين عبيد (2016)

الحصانة النيابية / نادر عبد العزيز شافي / الموقع الرسمي للجيش اللبناني (شباط 2009)