أثر انتشار جائحة “كوفيد-19” على علاقات العمل


مقدمة

أثارت مخاطر الأوبئة والأمراض عبر العصور الكثير من الأسئلة وطرحت العديد من الإشكاليّات ذات الأبعاد الاقتصاديّة والاجتماعيّة والقانونيّة ليمتد ذلك إلى الاقتصاد وأسواق المال والتجارة العالميّة، وهو نفس النقاش الذي يطرحه الآن “كوفيد-19” الذي ظهر في منطقة “ووهان” الصينيّة لينتشر بسرعة كبيرة في جلّ المعمورة، وقد أثر انتشار هذا الفيروس وبشكلٍ سلبي على العامّة ومعها المعاملات التجاريّة بمجموعة من الدول ومنها لبنان، حيث أعلنت الحكومة اللبنانيّة حالة التعبئة العامّة(1) وقرّرت تقييد الحركة لأجلٍ مسمّى (مع تمديد هذا الأجل) واتخاذها للعديد من التدابير الصارمة خلال تلك الفترة سيّما اغلاق (Lockdown) العديد من المؤسسات والشركات الخاصة على اختلاف انواعها وتعليق العمل فيها، غير أنّ ذلك لا يعني وقف عجلة الاقتصاد ولكن اتخاذ تدابير استثنائيّة تستوجب الحد من حركة المواطنين

وقد خلّف هذا الفيروس ركودًا عالميّا على المستوى الاقتصادي وفاقم الأزمات الاجتماعيّة، وأرخى بظلاله على فئة الأجراء(2) الذين ما فتئ المشرّع اللبناني يسعى إلى حماية هؤلاء باعتبارهم الفئة الضعيفة في علاقة العمل من خلال قانون العمل، ووضع لهم قواعد حمائيّة تحميهم عند انهاء علاقة العمل من قبل صاحب الشركة أو المؤسسة(3). ويُعتبر قانون العمل من أهم فروع القانون الخاص على الاطلاق، ويُعرّف بأنّه مجموعة القواعد القانونيّة التي تنظم علاقات العمل الخاصّة، فرديّة كانت أم جماعيّة، بين أصحاب العمل والأجراء، فتحدّد حقوق وواجبات الطرفين تجاه بعضهما البعض، خلال تنفيذ العمل. وقد عُرّف عقد الاستخدام بأنّه “عقد يلتزم بمقتضاه أحد المتعاقدين أن يجعل عمله رهن خدمة الفريق الآخر وتحت إدارته مقابل أجر يلتزم هذا الفريق أداءه له”(4). يتضح من هذا التعريف أنّ الأجير، يقوم بتأجير عمله أو خدمته لصاحب الاستخدام، إذ يضع نفسه تحت إدارته، مقابل حصوله على أجرٍ معيّن منه، كبديل عن هذا الاستخدام أو الخدمة. وانطلاقًا من الرأي الراجح(5) حول تكييف جائحة “كوفيد-19” قانونيًّا بأنّها حدثًا قاهرًا(6)، يثور التساؤل حول انعكاسات انتشار جائحة “كوفيد-19” على علاقات أطراف عقد الاستخدام بالنسبة لوضع الشركات والمؤسسات الخاصّة(7) التي استمرّت في عملها كونها مستثناة من قرار التعبئة العامّة

المدخل الأوّل: الأثر على تنفيذ التزامات الأجير

اعتبارًا لكون عقد الاستخدام عقد تبادلي يرتّب التزامات متبادلة في ذمّة طرفيه، وانطلاقًا من أنّ أداء العمل من الالتزامات المترتبة عن عقد الاستخدام لكونه النشاط الشخصي الذي يقوم به الأجير-حيث يكون العمل موضوعًا لعقد الاستخدام- بحيث يضع الأجير نفسه تحت إدارة وإشراف صاحب العمل في الزمان والمكان المعيّن من أجل تنفيذ العمل المتعاقد عليه(8)، وتبعًا لذلك لا يمكن للأجير التحلّل من هذه الالتزامات إلّا إذا حالت قوّة قاهرة بينه وبين الالتزام المُلقى على عاتقه. وباعتبارنا أنّ فيروس كورونا المستجد حدثًا قاهرًا، يمكن لنا أن نعرض للحالات القانونيّة الممكنة التي تصوّر وضع الأجير فيها بفعل جائحة “كوفيد-19” وأثر ذلك على التزامات صاحب العمل

حالة مرض الأجير بفيروس كورونا المستجد غير المثبت بشهادة طبيّة

إذا تعذّر على الأجير من الالتحاق بعمله بسبب هذه القوّة القاهرة التي تتمثل في اصابته بفيروس كورونا المستجد، فهل يُعتبر تغيّب الأجير عن عمله بمثابة غياب غير مبرّر في حالة عدم إثبات تغيّبه بشهادة طبيّة؟ هنا يمكن اعتبار هذه الحالة بمثابة تغيّب غير مبرّر على العمل، والذي يُعتبر قانونًا في حكم الأخطاء الجسيمة التي يمكن أن يرتكبها الأجير إذا تجاوز مدّة التغيّب بدون مبرّر لأكثر من 7 أيام متتالية، وفي حال تفعيل صاحب العمل لأحكام الفقرة 5 من المادة 74 ق.ع. واحترامه الآجال القانونيّة(9)، لصاحب العمل فصل الأجير عن العمل ويُعتبر ذلك فصلًا مُبررًا

حالة مرض الأجير بفيروس كورونا المستجد المثبت بشهادة طبيّة

فيما يخص الحجر الصحي الإجباري نتيجة الاصابة بالمرض(10) أو احتمال الاصابة فإنّه وفي جميع الاحوال، يوقف المرض عقد العمل ولا ينهيه وذلك طبقًا لمقتضيات المادة 40 ق.ع. التي اعتبرت أنّ الأجير الذي يُصاب بمرض غير الامراض المهنيّة أو طوارئ العمل له الحق في اجازة مرضيّة تختلف باختلاف المدّة التي يكون قد قضاها الأجير في العمل(11). إلّا أنّ ذلك يتوقف على شرطين، الأوّل دون أن تزيد فترة الغياب عن المدّة القصوى المحددة في المادة 40 ق.ع.، والثاني دون أن يترتّب عن المرض أو الاصابة فقد الأجير لقدرته على الاستمرار في مزاولة عمله(12)، وفي هذه الحالة سيكون هذا التغيّب مشمول بمقتضيات قانون الضمان الاجتماعي، وأي فصل للأجير خلاله يمكن تكييفه كفصل تعسفي

حالة الأجير الذي يرفض أداء العمل بسبب انتشار الجائحة

فيما يخص الحجر الصحي الطوعي المبني على إرادة صريحة من الأجير وذلك بسبب خوفه من الاصابة من المرض، فالسؤال الذي يُطرح هو هل يحق للأجير رفض الالتحاق بمركز عمله ؟ عندما توفر المؤسسة للأجير كافة شروط السلامة وإزالة احتمال إصابته بفيروس كورونا المستجد، واتخاذ كافة الاحتياطات والتدابير وشروط السلامة اللازمة لمنع انتشار الفيروس داخل المؤسسة(13)، لا يمكن للأجير التذرّع في هذه الحالة بأسباب شخصيّة تبرّر رفضه الالتحاق بعمله (كالمرأة الحامل أو من لديه حالة صحيّة دقيقة)، برأينا في هذه الحالة ليس هناك أي حماية قانونيّة ممنوحة للأجير في مضامين قانون العمل. أمّا على المستوى الدولي فإننا نجد المادة 13 من اتفاقية العمل الدولية رقم 155 تؤطر هذه المسألة وتعطي للأجير الحق في رفض القيام بالعمل إذا كان في ذلك تهديد وشيك وخطير على حياته وصحته، إلّا أنّ لبنان لحد الآن غير مصادق على هذه الاتفاقية، وبالتالي لا يمكن التمسّك بها، ومن ثمّ يبقى على الأجير تأدية عمله في حال طلب صاحب العمل ذلك، بشرط اتخاذ الأخير جميع اجراءات الوقاية والسلامة تحت طائلة المسؤوليّة

في سياق ذلك، إذا رفض الأجير الالتحاق بعمله خوفًا من الاصابة بفيروس كورونا المستجد، فإنّه يمكن لصاحب العمل من الناحية القانونيّة تفعيل الفقرة 5 من المادة 74 ق.ع. السالفة الذكر والتي يمكن على أساسها فصل الأجير، ولكن يمكن أن يكون للقضاء توجه مختلف في المستقبل

المدخل الثاني: الأثر على تنفيذ التزامات صاحب العمل

إذا كان الأجير ملزمًا بالقيام بالعمل باعتباره أحد أهم الالتزامات الملقاة على عاتقه فإنّ صاحب العمل بدوره ملزمًا باحترام مجموعة الالتزامات، أهمها أداء الأجر وتوفير الظروف الملائمة للعمل واتخاذ جميع التدابير الممكنة للحفاظ على صحة وسلامة الأجراء. وفي حالة القوّة القاهرة الناشئة عن جائحة “كوفيد-19” يمكن عرض الحالات القانونيّة التي يمكن تصوّرها بالنسبة لصاحب العمل جراء انتشار هذا الفيروس، ونحاول تبيان أثر ذلك على التزاماته

حالة الاتفاق على العمل عن بُعد

لا يتضمّن قانون العمل اللبناني أي تعريف لعقد العمل عن بُعد، إلّا أنّه وانسجامًا مع نصّ المادة 624 م.ع. يمكن تعريف الأخير بأنّه “عقد يلتزم بمقتضاه أحد المتعاقدين أن يجعل عمله رهن خدمة الفريق الآخر وتحت ادارته خارج مركز المؤسسة وباستعمال التقنيات الجديدة للمعلومات والاتصالات مقابل أجر يلتزم هذا الفريق بأدائه”(14). انطلاقًا من أهميّة هذا الأسلوب على مصالح كلٍّ من الأجير وصاحب العمل في ظلّ انتشار جائحة “كوفيد-19″، وتكييف عناصر عقد العمل عن بُعد (تأدية العمل والتبعيّة)، التي تتمثل الحداثة فيها بالبعد الجغرافي وباستخدام التقنيات الجديدة، يمكن أن يكون العمل عن بُعد من ضمن الاجراءات القانونيّة الممكنة للحد من انتشار هذا الفيروس والحفاظ على صحة وسلامة الأجراء وضمان حقوق أطراف عقود العمل، وذلك في ظلّ الموافقة الصريحة للأجير على التعديلات التي ستُجرى على عقد العمل تحت طائلة فسخ الأجير للعقد مع تعويض ودون ما انذار عبر تفعيل أحكام الفقرة 1 و2 من المادة 75 من قانون العمل(15). بالتالي، يُعتبر الأجير وكأنه يعمل في مؤسسته ما دام يقوم بالمهام المسندة اليه من قبل صاحب العمل، ويجب على الأجراء، العاملين بمنازلهم أو أيّ منطقة جغرافيّة مطلوب منهم العمل ضمنها أن يتقيّدوا بالتعليمات التي يقدّمها لهم صاحب العمل

حالة استفادة الأجراء من الاجازة السنويّة

بالعودة إلى الأحكام القانونيّة المرعيّة الاجراء نجد أنّ الإجازات محدّدة حصرًا في قانون العمل، إذ أنّه من الصعوبة اعتبار أنّ الغياب الناجم عن انتشار فيروس كورونا المستجد يمثّل نوعًا من الاجازة القانونيّة المدفوعة الأجر(16). بالتالي يُطرح التساؤل حول مدى إمكانيّة فرض صاحب العمل لاجازة سنوية على الأجير في ظلّ الأزمة الراهنة؟

هذا السؤال يجد شرعيته في كون أنّ هذه المسألة يمكن أن تكون من بين الحلول التي يتخذها أصحاب العمل لتجاوز الأزمة بأقلّ الأضرار، وفي هذا السياق نصّت الفقرة الأولى من المادة 39 ق.ع. بأنّ لكلّ أجير الحق في إجازة سنويّة مدّتها 15 يومًا بأجر كامل بشرط أن يكون مستخدمًا في المؤسسة منذ سنة على الأقل(17)، غير أنّ الفقرة الثانية أعطت صاحب العمل صلاحية تحديد أوقات تمتّع الأجراء باجازاتهم السنويّة، وذلك بما له من سلطة التنظيم والادارة في مقتضيات العمل، ويكون هذا التنظيم موجودًا في النظام الداخلي للمؤسسة(18) من خلال قواعد تبيّن المواعيد التي يُمنح فيها الأجراء اجازاتهم القانونيّة، وفي حال لم تبيّن هذه القواعد أوقات الاجازة السنويّة أثناء الحدث القاهر، جاز لصاحب العمل تحديدها بالتشاور مع الأجراء(19)، فيمكن منحها كاملة بالتناوب، أو بتجزئتها وفق ما تقتضيه مصلحة العمل(20). بالتالي، يمكن أن تستفيد المؤسسة من هذه الامكانيّة كإجراء وقائي من الحدّ من انتشار فيروس كورونا المستجد وخلال فترة التعبئة العامّة، وهنا يستحق الأجراء أجورهم عن أيام الاجازة السنويّة

حالة تخفيض مدّة العمل للأجراء مع تخفيض الأجر نتيجة الصعوبات التي تواجه المؤسسات جرّاء تفشي فيروس كورونا المستجد

انطلاقًا من تفادي الاختلاط والاحتكاك (بفعل أنّ الفيروس ينتقل بالمصافحة …) بين الأجراء، وللوقاية من من هذه الأزمة الصحيّة يُمكن لصاحب العمل تقليص ساعات العمل في بعض الأعمال المرهقة أو المضرّة بالصحّة (م.32 ق.ع.)، وانطلاقًا من أنّ العمل في ظلّ الوضع الراهن داخل المؤسسة هو من الأعمال التي قد تؤدي إلى الاضرار بصحّة الموظفين، وحرصًا على حسن تدبير سير العمل، يُمكن لصاحب العمل بعد موافقة الأجير المعني بتقليص عدد ساعات العمل، والتزامه بأداء الأجرة عن مدّة العمل الفعليّة على ألّا يقل في جميع الحالات عن الحد الأدنى الرسمي للأجور(21) ما لم تكن هناك مقتضيات أكثر فائدة للأجراء. تجدر الإشارة هنا إلى أنّ قانون العمل اللبناني لم يتعامل بمرونة كافية في الموضوع المتعلّق بتخفيض عدد ساعات عمل الأجراء في ظلّ الأزمات الإقتصاديّة التي تمرّ بها المؤسسات كما في التشريعات العربيّة كالمغرب مثلًا، فقد أشارت المادة 185 من مدوّنة الشغل المغربيّة بأنّه “يمكن للمشغّل (صاحب العمل)، بعد استشارة مندوبي الأجراء والممثلين النقابيين بالمقاولة عند وجودهم، أن يقلص من مدة الشغل العادية ولفترة متصلة أو منفصلة لا تتجاوز ستين يوما في السنة، وذلك عند حدوث أزمة اقتصاديّة عابرة لمقاولته أو لظروف طارئة خارجة عن ارادته… والاتفاق بين المشغل ومندوبي الأجراء والممثلين النقابيين للمقاولة على فترة هذا التقليص. وفي حال تخفيض الأجر كمقابل لتقليص ساعات العمل، فيكون ذلك مع اقتران شرط جوهري وهو عدم تجاوز هذا التخفيض حدّ 50% من الأجر العادي”. بالتالي، يُعتبر هذا الأمر من أهم مظاهر المرونة التي جاءت بها مدوّنة المشغل المغربيّة من أجل حماية المؤسسات التي تمر بظرف اقتصادي صعب

حالة إضافة ساعات عمل إضافيّة

مبدئيًّا، حدّد المشرّع اللبناني الحد الأعلى لساعات العمل في الأسبوع بـ 48 ساعة (م. 31 ق.ع.)، وهذه الساعات هي الساعات الفعليّة التي يُطلب من الأجير تأدية العمل خلالها والإعداد له أو الانتهاء منه(22)، وذلك بالنسبة للنقابات الصناعية والتجاريّة والحرف الحرّة، ما عدا النقابات الزراعيّة. بالمقابل، وفي ظلّ الفترة التي يمرّ بها لبنان بفعل التخوّف من انتشار جائحة “كوفيد-19″، يثور التساؤل حول مدى امكانية الزيادة في ساعات العمل في حالة ازدياد نشاط المؤسسة التجاريّة في هذه الظروف الاستثنائيّة ؟

إنّ هذا السؤال يجد شرعيّته في كون أنّ هذه الأزمة بقدر ما تؤثر سلبًا على مؤسسات تجارية معيّنة فإنّها تزيد من نشاط مؤسسات تجاريّة أخرى خاصّة المؤسسات التي تعمل في مجال إنتاج المواد النظافة والتعقيم والكممات الطبيّة والمواد الغذائية الضروريّة التي يزداد الطلب عليها بشكل كبير خلال هذه الفترة

إنّ هذا السؤال يجد شرعيّته في كون أنّ هذه الأزمة بقدر ما تؤثر سلبًا على مؤسسات تجارية معيّنة فإنّها تزيد من نشاط مؤسسات تجاريّة أخرى خاصّة المؤسسات التي تعمل في مجال إنتاج المواد النظافة والتعقيم والكممات الطبيّة والمواد الغذائية الضروريّة التي يزداد الطلب عليها بشكل كبير خلال هذه الفترة

وفي هذا الإطار يمكن القول بأنّ قانون العمل قد عالج هذا الاشكال بمقتضى المادة 33 التي أشارت الى إمكانيّة جعل ساعات العمل اليوميّة 12 ساعة كحد أقصى (أي بزيادة 4 ساعات عمل اضافيّة كحد أقصى باليوم الواحد) بشرط وجود حالة اضطراريّة تستدعي القيام بعمل اضافي، علاوة على إعلام وزارة العمل خلال 24 ساعة بالأمر الحاصل وبالوقت اللازم لإتمام العمل، كما تُدفع أجر الساعة الاضافيّة بمعدّل أجر ساعة ونصف من الساعات العاديّة الفعليّة، أي بزيادة 50% عنها. وفي جميع الحالات لا يجوز لصاحب العمل الزام الأجير بأداء ساعات اضافيّة مهما كان الأجر الذي يعرضه، إلّا إذا ألزم الأجير بذلك بمقتضى عقد العمل أو النظام الداخلي أو العرف المهني23

حالة تقليص عدد الأجراء داخل المؤسسة

قد يضطر صاحب العمل، أحيانًا، إلى وقف نشاطه أو غلق مؤسسته كليًّا أو جزئيًّا والاستغناء عن بعض الأجراء أو وقف عقود عملهم. ويستقر المشرّع على إقرار سلطة صاحب العمل في تنظيم مؤسساته واتخاذ ما يراه من الوسائل لإعادة تنظيمها أو تضييق دائرة نشاطها أو إغلاق المؤسسة كليًّا أو جزئيًّا، ويكون إنهاء عقود العمل المبرمة مع بعض أو كلّ الأجراء لهُ ما يبرره أي مشروعًا. جاء قانون العمل اللبناني ليقرّر هذا المبدأ واجراءاته ضمن المادة 50 الفقرة “و” منها، والتي أشارت إلى امكانيّة صاحب العمل انهاء بعض أو كل عقود العمل الجارية في المؤسسة اذا اقتضت الظروف الاقتصاديّة أو الفنيّة هذا الانهاء، كتقليص حجم المؤسسة أو استبدال نظام انتاج بآخر أو التوقف نهائيًّا عن العمل. بالتالي لا يمكن اعتبار هذا الصرف صرفًا تعسفيًّا. ولكن اشترطت الفقرة نفسها بأنّه على صاحب العمل إبلاغ وزارة العمل رغبته في انهاء تلك العقود قبل شهر على الأقل من تاريخ تنفيذ هذا الانهاء، على أن يتشاور مع الجهات المعنيّة في وزارة العمل لوضع برنامج نهائي لذلك الانتهاء تراعى معه أقدميّة العمال في المؤسسة واختصاصهم وأعمارهم ووضعهم العائلي والاجتماعي، علاوة على أحقيّة الأجير بالتعويضات التي تحدّدها وزارة العمل حسب مقتضيات أحكام قانون العمل -من تعويضات الانذار وتعويضات الصرف من الخدمة- مع تمتّع الأجراء المفصولين بالأولويّة في إعادة إعمالهم لدى المؤسسة التي صرفوا منها ; فقرة “ز” من المادة 50

خاتمة

جائحة “كوفيد-19” ليست مجرّد أزمة صحيّة عالميّة، بل أزمة سوق عمل وأزمة اقتصاديّة كبرى سيكون لها أثر هائل على أسلوب تعامل المؤسسات التجاريّة مع زبائنها من جهة، ومع أجرائها من جهة أخرى. بمعنى أنّ آثارها لن تشمل فقط الشركات والأجراء من الخسائر الفوريّة في الوظائف والدخل فحسب، بل من المؤكّد حدوث سلسلة من صدمات التوريد (فقدان القدرة الانتاجيّة للأجراء) والطلب (خفض الاستهلاك من قبل الأجراء وأسرهم) ممّا يؤدي إلى انكماش-ركود اقتصادي طويل الأمد، كما أنّ لها آثار مباشرة على بعض الفئات من أصحاب العمل في القطاعات الانتاجية المختلفة وخاصّة المشروعات الاقتصاديّة المتوسّطة والصغيرة، وفئات من الأجراء أزمة البطالة، مما يفاقم مظاهر عدم المساواة عبر العالم

انطلاقًا من حقيقة أننا أمام وضع صحي عالمي يثير الكثير من التساؤلات والاشكالات ذات بُعد إقتصادي وقانوني تتطلّب منّا مقاربة حكيمة تضمن التوازن العقدي وتكرّس الدور الأساسي للقضاء في تحقيق الأمن القانوني وحماية الأجراء، فكان لا بدّ لنا من استنباط بعض التوصيات ومحاولتنا وضع أفكار تساعد على التخفيف من الأثر الاقتصادي والاجتماعي لفيروس كورونا المستجد على علاقات العمل في لبنان، وهي التالية

إستحداث نظام للرصد والتتبّع الاقتصادي والاجتماعي

يلزم وضع آليات وطنيّة لرصد وتتبّع الوضعيّة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، تمكّن من رصد التطوّر السريع للجائحة ورصد التأثيرات المباشرة وغير المباشرة على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وتتبّع التدخلات العموميّة والخاصّة للتأكّد من فعاليتها لمواجهة الأزمة، وتمكّن من التقييم الآني والعلمي للتدابير الاستباقيّة المتخذة

 توسيع تدابير الحماية الاجتماعيّة والاقتصاديّة

يكون ذلك عبر اقرار تدابير مستعجلة لتعزيز الحماية الصحيّة للأجراء وأصحاب العمل من المخاطر الصحيّة للجائحة، من قبيل إدخال وتعزيز تدابير الحماية في مكان العمل وهو ما يتطلّب دعمًا واستثمارًا عموميًّا مباشر أو غير مباشر، وبذل جهود منسجمة واسعة النطاق في الوقت المناسب لتوفير فرص العمل ودعم الدخل وتحفيز الاقتصاد والطلب على اليد العاملة، بما يعني دعم الحفاظ على مناصب العمل (عن طريق تقليص ساعات العمل، العطلة السنوية، العمل عن بُعد،…) والاعفاءات الماليّة والضريبيّة، بما فيها للمؤسسات المتوسطة والصغيرة(24)، وغيرها من التدابير التي تساعد بنهوض الشركات والحؤول دون افلاسها

تعزيز التنسيق والتعاون الدولي

ضرورة انخراط لبنان في الجهود الدولية عبر تعزيز العمل والتنسيق مع منظمة الصحة العالميّة، وتقويّة التشاور مع منظمة العمل الدوليّة من خلال التصديق على الاتفاقيّة الدولية رقم 155 المتعلّق بالصحة والسلامة المهنيّة، بالاضافة الى الاتفاقيّة الدوليّة رقم 132 المتعلّقة بالاجازات السنويّة المدفوعة الأجر


Mostapha al-Masry
Mostapha al-Masry

Mostapha al-Masry holds a Master’s Degree in Business Law from the Lebanese University and specializes in Lebanese Oil and Gas law.


المراجع

(1) وذلك بمقتضى القرار رقم 1 تاريخ 15/3/2020 المتعلّق بإعلان التعبئة العامّة لمواجهة انتشار فيروس كورونا المستجد في سائر أرجاء الدولة اللبنانيّة.
(2) يمكن تعريف الأجير بمقتضى المادة 2 من قانون العمل اللبناني بأنه كل رجل أو امرأة أو حدث يعمل بأجر، عند صاحب عمل، بموجب إتفاق فردي أو جماعي، خطيًّا كان أم شفهيًّا.
(3) يمكن تعريف صاحب العمل بمقتضى المادة 1 من قانون العمل اللبناني بأنه كل شخص طبيعي أو معنوي يستخدم بأي صفة كانت أجيرًا ما، في مشروع صناعي أو تجاري أو زراعي، مقابل أجر، حتى لو كان هذا الأجر عينًا أو نصيبًا من الأرباح.
(4) أنظر المادة 624 من قانون الموجبات والعقود.
(5) المصري، مصطفى، عقود العمل الفردية و “كوفيد-19”: التأرجح بين التنفيذ والاستحالة، مجلة المحكمة. متوفّر على موقع: www.mahkama.net/?p=19491. جريصاتي، أرلت، قرار التعبئة العامّة وعقود العمل السارية المفعول، المجلة القضائيّة. متوفّر على موقع: http://data.saderlex.com. نادر، اندره، وباء الكورونا وتأثيره على عقود العمل، المجلة القضائية. متوفّر على موقع: http://data.saderlex.com. أنظر أيضًا اجتهاد محكمة استئناف كولمار الفرنسيّة: CA Colmar, ch. 6 (etrangers), 12 mars 2020, n° 20/01098..
(6) القوّة القاهرة أو الحادث المفاجئ هو عارض أو ظرف لا يمكن توقع حصوله وغير ممكن دفعه، أو التغلب عليه، وهذا العارض أو الظرف لا يكون منسوبًا لأي طرف من أطراف عقد الاستخدام، أي خارجًا عنهم أو مستقلًّا عنهم.
(7) نصّت المادة 8 من قانون العمل اللبناني على أنّه يخضع لأحكام هذا القانون جميع أرباب العمل والأجراء إلّا من استثني منهم بنصّ خاص وتخضع له أيضا المؤسسات بمختلف فروعها التجارية والصناعية وملحقاتها وأنواعها، الوطنيّة والأجنبيّة سواء أكانت عامّة أو خاصّة، بما فيها من مؤسسات التعليم، والمؤسسات الخيريّة. علاوة على الشركات الأجنبيّة التي لها مركز تجاري أو فرع أو وكالة في البلاد. بالتالي، يُستثنى من ذلك (وفق المادة 7 من قانون العمل) الخدم في بيوت الأفراد، النقابات الزراعيّة التي لا علاقة لها بالتجارة والصناعة، الموظفون الحكوميون في الإدارات الحكوميّة (يخضع هؤلاء لنظام الموظفين)، المياومين المؤقتين العاملين لدى الإدارة الحكومية والبلديات، معلموا المدارس الخاصّة.
(8) أنظر شعيب، عبدالسلام، محاضرات في قانون العمل وقانون الضمان الاجتماعي، 2002-2003، ص. 50 وما يليها.
(9) نصّت المادة 74 فقرتها الخامسة من قانون العمل اللبناني على أنّه “لصاحب العمل فسخ عقد الاستخدام دون ما تعويض أو انذار اذا تغيّب الأجير بدون عذر شرعي أكثر من 15 يومًا في السنة الواحدة أو أكثر من 7 أيام متتالية. يجب أن يبيّن الأجير لصاحب العمل اسباب الغياب خلال 24 ساعة من رجوعه.
(10) يمكن تعريف المرض بأنّه الاعتلال الصحي (نفسي أو جسماني) الذي يمنع العامل من مزاولة عمله ولا يكون ناشئًا عن عمل.
(11) شعيب، عبدالسلام، مصدر سابق، ص. 129.
(12) نصّت المادة 655 من قانون الموجبات والعقود على أنّه يحق لصاحب العمل فسخ عقد إجارة العمل لمرض أو جرح يصيب الأجير فيمنعه من القيام بموجباته على وجهٍ مرضٍ، بعد أن يدفع اليه ما استحقه من مدّة خدمته.
(13) أنظر في موضوع الصحة والوقاية والسلامة: المادة 647 من قانون الموجبات والعقود؛ المادة 61 من قانون العمل؛ المواد 25-40 من المرسوم رقم 11802 الصادر في 30/1/2004.
(14) برجاوي، ملاك محمود، رسالة دبلوم بعنوان عقد العمل عن بُعد (عبر استخدام التقنيات الحديثة للمعلومات والاتصالات)، كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية، الفرع الأوّل، 2017-2018، ص. 23.
(15) أشارت المادة 75 ق.ع. على أنّه “يحق للأجير أن يترك عمله قبل انتهاء مدة العقد ودون ما علم سابق 1- إذا أقدم صاحب العمل أو ممثله على خدعة في شروط العمل عند اجراء العقد؛ 2- إذا لم يقم صاحب العمل بموجباته نحو الأجير وفقا لأحكام قانون العمل.
(16) نادر، أندره، مصدر سابق، ص. 2.
(17) إلّا اذا تجاوزت الاجازة المرضيّة مدة شهر بذات السنة، فعندئذٍ يحق لصاحب العمل أن يخفض الاجازة السنوية إلى 8 أيام (م. 41 ق.ع.).
(18) أشارت المادة 66 من قانون العمل اللبناني بأنّه على كل صاحب عمل يستخدم 15 أجيرًا فأكثر أن يضع نظامًا داخليًّا للأجراء من أجل تنظيم العمل في مؤسسته، بشرط اقترانه بمصادقة وزير العمل.
(19) أشارت المادة 10 من اتفاقيّة العمل الدولية رقم 132 “اتفاقية الاجازات السنوية مدفوعة الأجر (مراجعة)” لعام 1970 على أنه يحدد لصاحب العمل، بعد التشاور مع الشخص العامل أو ممثله، الفترة التي يمكن القيام خلالها بالاجازة. تجدر الإشارة هنا إلى أنّ لبنان غير مُصادق على هذه الاتفاقية. إلّا أنّ الباحث يرى ضرورة التشاور مع الأجير بالرغم من عدم نصّ قانون العمل اللبناني عليها صراحةً، وذلك حفاظًا على توازن التزامات عقد العمل بين طرفيه.
(20) أشارت الفقرة 4 من المادة 2 من اتفاقية العمل الدولية رقم 52 “الاجازة السنوية بأجر” لعام 1936 على أنّه لكل شخص تنطبق عليه هذه الاتفاقية وقضى سنة من الخدمة المتصلة، الحق في اجازة سنويّة مدفوعة الأجر من 6 أيام عمل على الأقل. تجدر الإشارة هنا إلى أنّ لبنان مُصادق على هذه الاتفاقيّة.
(21) أشارت المادة 17 من الاتفاقية العربية رقم 15 لعام 1983 بشأن تحديد وحماية الأجور إلى أنّه يجوز للدول الأعضاء أن تأخذ بنظام الحد الأدنى للأجور، بحيث لا يجوز أن يقل أجر العامل عنه. وقد صادق لبنان على هذه الاتفاقية بموجب القانون رقم 183 تاريخ 24/5/2000. علمًا بأنّه يُعيّن الحد الأدنى الرسمي للأجر الشهري الحالي بمبلغ 675 ألف ل.ل. والحد الأدنى الرسمي للأجر اليومي بمبلغ 26 ألف ل.ل.
(22) مثل الوقت اللازم لترتيب مكان وأدوات العمل وعمليات التسليم والتوريد، وفترات إنتظار العملاء. بالمقابل، لا يدخل في أوقات العمل الفترة اللازمة لتغيير الملابس أو لتناول الطعام والراحة، وفترات الانتظار أو التواجد في مكان العمل التي لا يتطلّبها صاحب العمل. منصور، محمد حسين، قانون العمل، منشورات الحلبي الحقوقيّة، الطبعة الأولى، 2010، ص. 339.
(23) شعيب، عبدالسلام، مصدر سابق، ص. 95.
(24) طارق، محمد، أثر جائحة كورونا على علاقات الشغل، سلسلة إحياء علوم القانون، الدولة والقانون في زمن جائحة كورونا، عدد خاص، أيار 2020، ص. 422-423.