الإتحاد من أجل المتوسط: مظاهر التعثر واحتمالات البقاء


يعتبر  البحر المتوسط من الناحية الجيوستراتجية، من أهم المواقع المائية في العالم، وخصوصاً بالنسبة الى الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والمشرق العربي كما غربه، ولما كان له أيضاً من أهمية في استراتجيات الحروب وبخاصة في فترة الحرب الباردة  التي اندلعت بين المعسكرين الغربي والشرقي أي حلف وارسو والناتو، اثر انتهاء الحرب العالمية الثانية، واندلاع الحرب الباردة منذ العام 1945 حتى العام 1990، أي انهيار الاتحاد السوفييتي وما كان يسمى بالمنظومة الاشتراكية، أي تلك الدول التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفييتي، حيث شكّل  البحر المتوسط  فضاءً  جغرافيا خصباً ومسرحا للتنافس والصراع  على منافذه وشواطئه ومياهه الإقليمية وثرواته الباطنية، ليتحول الصراع على النفط والغاز والموارد المختلفة لهذا البحر إلى مادة ملتهبة، فاقمت من هذه النزاعات وزادت من تعقيداتها

ويمكن القول أن أبرز أوجه هذا الصراع المائي والنفطي ليس وليد هذه المرحلة، بل له خلفياته التاريخية في شرق المتوسط، ومنها ذلك الصراع بين لبنان وإسرائيل، والصراع المنفجر حديثاً بين تركيا في مواجهة اليونان و قبرص، وبين تركيا ومصر؛ وهما من كبريات الدول المتوسطية والتي تحتاج حاجة ماسة الى استهلاك مرتفع للطاقة على أنواعها، كما أن عدم ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وسوريا، وقبرص وتركيا  تشكلان اليوم أحد أبرز تجليات هذا الصراع في نواة  البحر المتوسط وفي هيكليته الجيوبوليتكية، خصوصا انه يضم أربعة عشرون دولة شاطئية تتمتع بأقدم الحضارات عبر التاريخ البشري من الفرعونية الى اليونانية فالرومانية والفينيقية والبيزنطية والعثمانية وغيرها، وتتميز بكيانات سياسية متنوعة ومختلفة، كما أنها تكتنز أهم الثروات وموارد الطاقة والنفط وغيرها

بالمقابل، ونظراً لاحتوائه على أهم الممرات التي كانت ولا تزال تعتبر أيضاً باعثاً لشتى أنواع الحروب للسيطرة عليها، خصوصا الصراع التاريخي بين العثمانيين والروس للسيطرة على هذه المضائق، والرغبات الكبرى للدول العظمى بدءاً من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا التي سببت مصالحها باندلاع الحرب خلال فترة قيام جمهورية مصر العربية بتأميم قناة السويس أو ما سمي حرب 1956، أو ما يعرف بـ “العدوان الثلاثي” من قبل بريطانيا وفرنسا وإسرائيل ضد مصر إثر قرار التأميم

بهذا المعنى فإن هذا البحر يعتبر منطقة هامة لتسهيل التجارة بين الدول وجسراً للتواصل بين حضارات الدول المختلفة والشعوب، كما وأنه همزة وصل بين عدة منافذ بحرية كالبحر الأحمر والبحر الأسود والمحيط الأطلسي التي يتصل بها عبر مضائق عدة

من نافل القول الإشارة إلى أن هذه المنطقة ساهمت الى حد كبير في تعزيز التعايش بين الثقافات والأديان في التاريخ بين الشواطئ الشمالية والجنوبية، وتبادلت المجتمعات والثقافات دائماً الأفكار والتجارة والتعلم معاً، وشكل اطارا للتفاعلات بين الثقافات والأفكار والشعوب كونه  يتشكل من حضارة مشتركة تجمع بين شماله وجنوبه وشرقه وتمزج بين الأوروبيين والعرب، بحيث كان من الضروري على هذه الشعوب أن تعيد بناء تاريخ مشترك إنساني اجتماعي ثقافي اقتصادي سياسي لمواجهة كافة التحديات التي قد تطرأ

وتعد الدول الأوروبية أي دول الإتحاد الأوروبي السباقة في هذا المجال إذ تبنَت سياسات تعاونية في إطار مبادرات ومشاريع شراكة أولها إتفاقية برشلونة للعام 1995 والتي هدفت الى تعزيز العلاقات الأوروبية مع دول حوض البحر المتوسط الجنوبية، كما وتبعتها على مر السنين العديد من المبادرات الدولية والمحلية وصولاً الى انشاء الإتحاد من أجل التوسط عام 2008 بإعلان من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي قدم إطاراً أكثر تنظيماً وواقعياً للتعاون يعمل على مواجهة ومعالجة الأسباب الجذرية للأزمات التي نواجهها اليوم

والإتحاد من أجل المتوسط كما عرّفته الإتفاقية، هو منظمة حكومية دولية تهدف الى تعزيز التعاون الإقليمي والحوار وتنفيذ المشاريع والمبادرات ذات الأثر الملموس على حياة المواطنين وهو يضم 43 دولة تجمع بين دول أوروبية ودول وعربية وإسرائيل

يواجه هذا الإتحاد تحديات كبيرة، زادت من حدتها في السنوات القليلة الماضية الأزمات الاقتصادية العالمية، والأزمات البيئية، إلى تداعيات الصراع الشرق الأوسطي التي بمجموعها  تشكل عائقا أمام تقدم ملموس في تعزيز أوجه التعاون بين الدول المطلة على ضفتي المتوسط ومنها على سبيل المثال لا الحصر: تضارب المصالح وتشابكها أحياناً مع أطراف أخرى خصوصاً حول النفط والغاز في لبنان التي تتنازع مع إسرائيل بشأن التنقيب في منطقة “البلوك” 9 ، وتشارك توتال الفرنسية ، ونوفوتيك الروسية، وايني الإيطالية في اتفاقيتين للتقيب عن الغاز والنفط؛ الخلاف حول “غزة مارين” الذي تقدر كميات من الغاز  تقدر بتريليون قدم مكعب من الغاز، والواقع بين حقلي “ليفيا ثان”  الخاضع للسيطرة الإسرائيلية و”ظُهر المصري”؛ النزاع بين مصر وقبرص حيث تشترك مصر في خط انابيب للغاز باحتياط يقدر بستة تريليونات قدم مكعب بغرض تسييلها في مصر وتصديرها إلى أوروبا بكلفة مليار دولار؛ الاتفاق بين اليونان وقبرص التي ترتبط مع إسرائيل بالإتفاق لمد خط “إيست- ميد ” بطول 1900 كيلومتر بغرض تصدير أكثر من 11 مليار متر مكعب من الغاز سنويا الى اليونان وايطاليا ودول أوروبية؛ تشكل تركيا نقطة عبور مهمة لنفط وغاز روسيا ودول بحر قزوين إلى أوروبا. إلا أنها تفتقد الاحتياطات البترولية وهي بحاجة إلى زيادة وارداتها السنوية البترولية، نظراً لضخامة وتطور صناعاتها، ولهذا انتهزت فرصة التنقيب عن النفط في شرق المتوسط للمشاركة وبذلك دخلت خط المواجهة في الإقليم من البوابة الليبية، ما دفع دول المنطقة إلى إنشاء «منتدى غاز المتوسط» (مقره القاهرة)، ويضم مصر واليونان وقبرص وإيطاليا والأردن وفلسطين وإسرائيل، فيما استبعدت منه تركيا لحسابات سياسية واستراتيجية

هكذا يشير الكثير من الباحثين إلى أن هذه المنطقة باتت منطقة جذب كبير لمصالح الدول المتناقضة، فيتجاذبها ثلاثة عناصر تجذب العالم بأسره الى منطقة البحر المتوسط العربية القبرصية التركية بعمقها العراقي وصولاً الى الجزيرة واليمن وهي أنها تحتوي على 122 تريليون قدم مكعب من الغاز، 1.7 مليار برميل من النفط، بما يجعل لعاب القوى الكبرى يتصبّب شبقاً وشهوة

كل هذه الإشكاليات بالإضافة إلى التوترات الاقتصادية والاجتماعية ازدادت من الإكراه والنزاعات الهجرة غير الشرعية. أضف إلى ذلك تراجع الإنفاق في مجال البيئة والمرافق والطاقة والتعليم في المنطقة بسبب نقص ميزانية الدول الناجم عن الأزمات كافة وزيادة الحروب، ما ترك آثارا سلبية على فرص تطور الدول المطلة جنوبا على البحر الأبيض المتوسط وشرقه

من هنا تطرح الإشكالية التالية

ما هي قدرة  الإتحاد الأورومتوسطي على  حل الصراعات حول الثروات المختلفة، وحل المعضلات الأخرى المتشعبة؟ وهل يعتبر هذا الكيان القانوني اطارا صالحا لحل هذه النزاعات، وهل من مستقبل أمامه في طل احتمالات نشوب مثل هذه الصراعات وتولي اسرائيل مثلا رئاسته والصراع العربي الاسرائيلي لم يجد له حلا الى اليوم ؟

للإجابة على هاتين الإشكاليتين ينبغي اماطة اللثام عن الإطار القانوني الناظم لعمل الاتحاد وعضوية الاتحاد ومدى قدرته على مواجهات تحديات عدة برزت امامه في اكثر من دورة عقدها  في ظل مشاركة دول متخاصمة  للإتحاد  ومن ثم التطرق الى ابرز التحديات التي تواجه الإتحاد من أجل المتوسط منها بروز قضايا النزاعات الحدودية البحرية ومعابر النفط وامداداته عبر حوض هئا البحر الشاسع ومشاكل ذات بعد بيئي واقتصادي وامني وحتى عسكري

من المتعارف عليه أن النزاعات تنشأ في الغالب بين دولة وأخرى، أو بين دولة ومنظمة دولية، أو بين منظمتين دوليتين، وهي تشمل الصراع على الموارد والثروات العابرة للحدود والإضرار فيها، والمسؤولية المشتركة عن قضايا التلوث والبيئة وتقسيم الثروات وترسيم الحدود وعبور الأشخاص والسلع والبضائع، وتحمل كافة الأطراف المسؤولية عن إيجاد حل لها مع الإخطار المسبق واحترام مبدأ السيادة الوطنية واحترام الحقوق المكتسبة وعدم تجاوزها والتـأثير على الطرف الآخر

 ان المشكلة الأساسية التي قد تعيق عمل الإتحاد والتي هي في نفس الوقت بمثابة تحد لنجاح عمله، هي وجود الكيان الإسرائيلي والصراع العربي الإسرائيلي المديد والخلافات بين العديد من دوله وهذه الدولة، ومنها  الخلافات الجيوسياسية لغاز شرق المتوسط، حين منحت السلطة الفلسطينية في 1999 عقداً للاكتشاف والإنتاج في بحر غزة لشركة «بريتش غاز» وشركائها، شركة اتحاد المقاولين المًوجودة في أثينا، وذات الملكية الفلسطينية، وصندوق الاستثمار الفلسطيني التابع للسلطة الوطنية الفلسطينية. اكتشفت «بريتش غاز» في 2000 حقل «غزة مارين» باحتياطي غازي محدود بنحو 1.4 تريليون قدم مكعب. ورغم مرور عقدين من الزمن، لا يزال هذا الحقل الفلسطيني البحري دون تطوير، وذلك بسبب رفض إسرائيل المستمر لتطويره، مشكلة عدم رسم الحدود البحرية للمناطق الاقتصادية الخالصة ما بين الدول المجاورة قبل الاهتمام بالثروة البترولية، لاحتمال تداخل هذه المناطق القريبة من بعضها. وبالإضافة إلى الصراع العربي-الإسرائيلي فقد توصل لبنان وقبرص في 2007 إلى رسم الخط الوسطي بين البلدين. لكن لم يتم تحديد النقطة الجنوبية أو الشمالية لهذا الخط. إذ كان يتطلب تحديد النقطة الجنوبية عقد اجتماع ثلاثي بين قبرص ولبنان وإسرائيل. لكن، بما أن لبنان في حال حرب مع إسرائيل، فلا يمكن عقد اجتماع كهذا. أما بالنسبة للنقطة الشمالية، فترفض سوريا التفاوض لرسم الحدود البحرية مع لبنان، ومن ثم تحديد النقطة الشمالية بين لبنان وسوريا وقبرص

هذا عدا المشاكل البيئية المتأتية من تصريف المياه من المدن الساحلية واحدة من أهم مشكلات التلوث الرئيسية على ساحل البحر المتوسط، خصوصا  تلك التي تقع على الساحل الجنوبي للبحر المتوسط، بالإضافة إلى المخلفات الصلبة التي تصدر عن مراكز المدن على طول ساحل البحر المتوسط تهديداً خطيرا للصحة البشرية والبيئة البحرية الساحلية، مياه الأنهر التي تصب في البحر تشكل أيضاً مادة خلافية بين العديد من الدول المتجاورة، أضف الى مشاكل الهجرة الغير شرعية والإرهاب والخ

إن الإتحاد من أجل المتوسط يشكل انطلاقة جديدة لمؤتمر برشلونة الذي عقد عام 1995. وقد أنشأ الإتحاد في تموز عام 2008 بإعلان أطلقه الرئيس الفرنسي خلال مؤتمر قمة باريس من أجل المتوسط. يمثل الإتحاد فرصة للحفاظ على منصة للحوار السياسي والشروع في مشاريع جديدة على المستويين الإقليمي وشبه الإقليمي والتي تهم سكان دول حوض المتوسط، وتعنى بمجالات شتى مثل البيئة والطاقة والصحة والإقتصاد والهجرة والتعليم والشؤون الإجتماعية

والإتحاد من أجل المتوسط هو منظمة حكومية دولية تضم 43 دولة، تجمع بين بلدان الإتحاد الأوروبي الثمانية والعشرين كلها وهي: النّمسا والبوسنة و الهرسك و كرواتيا و جمهوريّة التّشيك، وفنلندا وألمانيا والمجرّ وإيطاليا و لاتفيا وليتوانيا ومالطا وموناكو والبرتغال ورومانيا و سلوفينيا والسّويد و المملكة المتّحدة و البانيا وبلجيكا و بلغاريا و قبرص والدّنمارك واستونيا وفرنسا واليونان وايرلندا ولكسمبورغ ومنتنيغرو وهولندا وبولونيا وسلوفاكيا واسبانيا   وخمسة عشر بلداً متوسطياً شريكاً من شمال أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب شرق أوروبا وهي: لبنان والجزائر ومصر والمغرب وموريتانيا وتونس والأردن وليبيا وفلسطين وسوريا وتركيا وإسرائيل

يهدف هذا المشروع إلى تشجيع التنمية الاقتصادية في منطقة البحر الأبيض المتوسط ورسم معالم فضاء الأمن المتوسطي، والدفع بالتنمية الاجتماعية، حماية البيئة والتنمية المستدامة، حوار الثقافات، إذ يعد هذا المشروع أكثر تقدماً من ميثاق برشلونة

والإتحاد من أجل المتوسط شراكة متعددة تهدف إلى تقوية التكامل الإقليمي بين الدول الأورومتوسطية، والتأسيس للسلام والديمقراطية والتعاون بين مختلف الأطراف بالمنطقة، وهو يقوم على 3 استراتجيات مواضعية رئيسية تنبع منها المشاريع التي يستطلع الاتحاد تنفيذها وتسمح للإتحاد بالتصدي للأبرز وأهم واخطر المشاكل التي تواجه منطقة حوض المتوسط  في أيامنا الراهنة من خلال الحلول الإنمائية التي توفرها وهي

صلاحيات الشباب للتوظيف والنمو الشامل للجميع

وافقت الأمانة العامة للاتحاد المتوسطي على 13 مشروعًا لمواجهة تحديات تشغيل الشباب والنمو الشامل، تستهدف هذه المشاريع ما يقرب من 200000 مستفيد ، معظمهم من الشباب ، وتشمل أكثر من 1000 شركة صغيرة ومتوسطة من القطاع الخاص،  الهدف منها خلق فرص العمل في المنطقة وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في منطقة البحر الأبيض المتوسط

التنمية المستدامة

فإن الأهداف الاستراتيجية للاتحاد من أجل المتوسط في مجال التنمية المستدامة تتمثل في: التقدم في استراتيجية التنمية الحضرية المستدامة الأورومتوسطية؛ وتسهيل النقل براً وبحراً من خلال المساعدة على بناء شبكة أورومتوسطية قوية؛ ومكافحة التلوث في المنطقة وتحسين الوصول إلى إدارة المياه؛ وتعزيز الطاقة المتجددة وكفاءة استخدام الطاقة؛ والمساهمة في مواجهة تحدي التغير المناخي في المنطقة؛ وكل ذلك بالموازاة مع استغلال إمكانات الاقتصاد الأزرق

التمكين الإقتصادي والإجتماعي المرأة

يهدف مشروع الاتحاد المتوسطي “الفتيات رائدات الأعمال” إلى تعزيز ريادة الأعمال وريادة الأعمال النسائية والمساواة بين الجنسين

كما يدعم الاتحاد المتوسطي مبادرة “توظيف الفتيات” التي تهدف إلى تدريب الفتيات اللواتي يبحثن عن عمل ولا يمتلكن المهارات المهنية اللازمة. بدأ المشروع في البداية في المغرب وتونس والأردن في النصف الأول من عام 2014 ، ثم وسع نطاقه ليشمل مصر ولبنان في نهاية عام 2014 وأوائل عام 2015. ومن خلال تعزيز سبل تمكين المرأة اقتصادياً في المنطقة، يساهم المشروع في التخفيف من معدلات البطالة المرتفعة في أوساط النساء المتعلمات على المستوى الثانوي في جنوب البحر الأبيض المتوسط. كما يهدف إلى تحسين مهارات القوة العاملة الضرورية لدعم الاقتصاديات الوطنية والإقليمي

وعليه وتحقيقاً لهذه الأهداف، فإن الإتحاد من أجل المتوسط  يحدد ويصنف ويساند وينفذ المشاريع والمبادرات الإقليمية وشبه الإقليميّة والعابرة للحدود الوطنيّة التيتندرج ضمن 6 مجالات أو قطاعات أولوية استراتجية ذات أولويّة وهي

  1. تنمية الأعمال
  2. التعليم العالي والبحث العلمي
  3. الشؤون الاجتماعية والمدنية
  4. الطاقة وتغير المناخ
  5. النقل والتنمية الحضرية
  6. المياه والبيئة

وعليه ونظراً للحجم الذي قد تتخذه هذه المشريع، فإن من يقوم بإقتراحها هي السلطات الوطنية والإقليمية والمحلية، أيضاً قد يقوم بإقتراحها القطاع الخص ومنظمات المجتمع الدولي، أيضاً المؤسسات الدولية. ان هذه المشاريع ذات أهمية بالغة وبخاصة تلك المتعلقة بالبيئة والمياه، في تشكل العنصر الأساسي في حياة الإنسان وأي إختلال فيها يؤدي الى كوارث بشرية، وهذا ما سوف نتناوله في القسم الثاني من هذا البحث، بحيث ان الحفاظ على البيئة والمياه حاجة ملحة وضرورية

بالمقابل، للإتحاد من أجل المتوسط  هيكليه التنظيمي الذي يحدد كيفية سير عمله فقد نص مؤتمر باريس عام 2008 على ضرورة أن يكون مبدأ رئاسة الإتحاد من أجل المتوسط مشتركاً بين دول الشمال ودول الجنوب وعليه، تمثل الأمانة العامة للإتحاد “الحكومة” التي تنفذ فيها القرارات وتعد فيها المشاريع فهي تشكل المؤسسة التنفيذية لهذا الإتحاد، مقرها برشلونا

وهي تشكل أول هيكل دائم مكرس للشراكة المتوسطية، تضمن المتابعة التنفيذية للأولويات الإقليمية التي يتم تحديدها و تنفيذ القرارات التي تتخذها الدول الأعضاء، وذلك من خلال تحضير الاجتماعات الوزارية، وتيسير منصات الحوار الإقليمي، وإعداد مشاريع إقليمية استراتيجية

تعمل أمانة الاتحاد من أجل المتوسط ​​بتوجيه من الأمين العام الذي يسانده ستة نواب للأمين العام. وكل نائب منهم مسؤول عن إدارة: الشؤون الاجتماعية والمدنية ، والتعليم العالي والبحث العلمي ، وتطوير الأعمال التجارية ، وتدابير الطاقة والمناخ ، والمياه والصرف الصحي. البيئة والنقل والتنمية الحضرية المستدامة.
يتم تعيين الأمين العام ونائب الأمين العام من قبل الدول الأعضاء لمدة ثلاث سنوات ويمكن إعادة انتخابهم مرة واحدة. ترشح دول الاتحاد الأوروبي ثلاثة نواب للأمين العام، بينما ترشح دول الجنوب والشرق ثلاثة الآخرين. تضم الأمانة العامة للاتحاد من أجل المتوسط 60 موظفًا محليًا ودوليًا من أكثر من 20 دولة، من ضمنهم دبلوماسيون وفنيون منتدبون من قِبل الدول الأعضاء والمؤسسات الشريكة كالمفوضية الأوروبية والمصرف الأوروبي للاستثمار والمصرف الأوروبي للإنشاء والتعمير والتنمية ومكتب الودائع الفرنسي

يعقد أعضاء الاتحاد المتوسطي اجتماعات منتظمة مع كبار المسؤولين في وزارة الخارجية في 43 دولة من دول الاتحاد ومؤسسات الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية. يتم خلالها توفير الإطار لمناقشة السياق السياسي الراهن وتنسيق عمل الأمانة العامة واعتماد الميزانية وبرنامج عمل الأمانة العامة للاتحاد ووضع الأساس للتحضير للاجتماعات الوزارية. كما تناقش خلالها مقترحات المشاريع المقدمة لاعتمادها والمصادقة عليها،ويتخذ كبار المسؤولين قراراتهم بالتوافق

بالمقابل، تم إنشاء الهيئة الحاكمة للاتحاد المتوسطي من خلال إجراءات مصممة لضمان مشاركة دول شمال وجنوب البحر الأبيض المتوسط ​​في المسؤولية عن صنع القرار والمسؤولية المشتركة. وتترأس الاتحاد من أجل المتوسط رئاسة مشتركة بين ضفتيه، عن الضفة الجنوبية تتولاها دولة تختارها الدول الجنوبية وذلك لمدة سنتين، أما عن الضفة الشمالية فلم تحسم لا مدة الرئاسة ولا الشخصية التي ستتولى الأمانة العامة الإتحاد. هذا جزء من تدابير تهدف إلى تعزيز المسؤولية المشتركة وضمان وحدة الحقوق بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وتسري الرئاسة المشتركة على جميع المستويات، مثل التحضير للاجتماعات الوزارية ومناقشة مقترحات المشاريع لاعتمادها ، المصادقة على ميزانية الأمانة العامة وخطة عملها. يتم اتخاذ القرارات بالإجماع

من هنا تبرز المشكلة والعقبة الأساسية  فيما لو تولت اسرائيل رئاسة الاتحاد. فبالنظر إلى أن الرئاسة المشتركة مدتها سنتان ، وفي وقت ما، قد تشارك إسرائيل في رئاسة الاتحاد المتوسطي، مع دولة اخرى عضوا في الاتحاد الأوروبي ووفقا لسير عمل هذا الإتحاد، وستكون هذه الرئاسة المشتركة مكلفة بإعداد مؤتمرات القمة التي ستُعقد كل عامين، وإعداد الاجتماعات الوزارية

في هذا السياق فقد تعثرت الكثير من القمم الأورومتوسطية منها قمة برشلونة في 7 حزيران 2010 لمشاركة إسرائيل فيها، ورفضت دول عربية المشاركة، جراء الصِّـراع الفلسطيني – الإسرائيلي، الذي يشكل العُـبوَة الموْقُـوتة التي ستنفجِـر بين أيدي المنظِّـمين ويقضي ربّـما على “الإتحاد من أجل المتوسط” نهائيا، مثلما أطاحت بمسار برشلونة

لم تشكل المشاريع الطموحة للدول الأوروبية التي تحاول ادماج إسرائيل في المنظومة، ولا الاغراءات الكبرى والأموال المخصصة لهيئات الاتحاد والمقدرة بحوالي 700 مليون في السنة، ولا المشاريع الكبرى الطموحة التي أعدتها هيئات الاتحاد ومنها مشروع  الخطّـة الشمسية المتوسطية” والرّامية توسيع الاعتماد على الطاقة الشمسية ومصادِر الطاقة المتجدِّدة الأخرى والطُّـرقات السيارة البحرية، التي ستُـنشِّـط النقل بين موانِـئ الضفّـتيْـن، وإزالة التلوث من المتوسط وتأسيس بنك متوسطي وإنشاء قناة تلفزيونية متوسطية، بالإضافة إلى التعاون في مجال الحماية المدنية، من بث الروح في حياة الاتحاد بل جعلته كياناً مهدداً بالانهيار جراء الواقع المتوسطي ودور إسرائيل الساعية لاستغلال أي اطار يمكنها من عملية دمج في محيطها القريب والمتوسطي، فحجم الصراع والخلاف والنزاع يرقى الى مستويات مختلفة نتج عنه احتلال للأراضي وحصول عدة حروب واحتلال للقدس ولأراض عربية متنازع عليها، وبالتالي ستسقط حتما فكرة هذا التعاون الذي لا مآل له، لطالما أن إسرائيل متهمة باحتلال الأراضي وعدم اعترافها بالقرارات التي أصدرتها الشرعية الدولية، وتمضي في احتلالها لهذه الأراضي ولم تطبق أيا من الاتفاقيات

إن القضايا العالقة في الجوانب المختلفة كثيرة ومنها قضايا مكافحة التلوث في البحر المتوسط؛ توسيع شبكة المواصلات البحرية والجوية؛ إدارة مرافق المياه والصرف؛ الزراعة والثروة الحيوانية ومكافحة التصحر؛ المصارف والتأمين وصناديق التنمية والتطوير، ويبدو منطقياً أن الاتحاد دون أدنى شك سيقف عاجزاً مما يفرمل هيكليتيه وقد لا تشارك غالبية من أعضائه في اجتماعات الاتحاد، الأمر الذي يطرح احتمال اللجوء الى اطر أخرى لحل هذه الإشكاليات من بينها التحكيم الدولي، أو دخول طرف دولي قوي على خط التفاوض والتوسط لحل هذه النزاعات، وهناك تجارب كثيرة في هذا المجال

 لا شك أن سياسات العديد من الدول الأوروبية تتطلع الى اشراك إسرائيل في الاتحاد وتفعيل دورها من ضمن سياساتها ومصالحها، وهي ترغب ضمنيا بمراعاة مصالح هذه الدول وعدم الاكتراث بمصالج دول كلبنان وسوريا وغيرها التي لديها حالة حرب مع اسرئيل وهناك أجزاء كبيرة من أرضها لا تزال تحت احتلالها، فيما اجواؤها تتعرض للانتهاك شبه اليومي ومياهها الإقليمية كذلك

لا شك أن على لبنان ودول أخرى الاعتراض على هذا الحضور من خلال تقديم سلسلة مقترحات مهمة تبقي على حيوية هذا الاتحاد الذي لديه مشاريع طموحة كما ذكرنا يمكن من خلالها الاستفادة عبر استثمارات كبرى ومشاريع حيوية وتنموية وتعاضدية وثقافية وتربوية وبيئية، مع السعي الدائم لعدم الظهور بمظهر المفرمل والمعرقل لأطر هذا الاتحاد، وإظهار النوايا الإسرائيلية المنصبة على استخدام القوة للسيطرة على الثروات الطبيعية للدول المجاورة لها واستخدام المتوسط كمسار لعبور وامداد خطوط النفط والغاز وخطوط النقل البرية وسوى ذلك، وهذا يقتضي اقتراح أطر قانونية لا تتنافى والنظام التأسيسي للاتحاد، واستغلال الاتحاد كمنصة سياسية للتعبير عن المصالح العربية التي تتعرض للانتهاك الدائم من جانب دولة مختلة ولا تعترف بحقوق شعب مشرد ومهجر قسراً من أرضه ومحلاً عن طريق القوة والعنف

 إن هذا الأمر يستدعي ادارة عربية للعلاقات مع أوروبا،  تقوم على ابراز  الترابط القائم بين المضامين الإقليمية والدولية لهذه العلاقات، وعدم إمكانية الفصل بين الموضوعات الاقتصادية والأمنية والسياسية. وهو ما يعني ضرورة أن يمر أي مسار للتعاون عبر محطة  تطبيق إسرائيل للقرارات الدولية  واحترامها للقوانين الدولية والاعتراف بحقوق الدول المجاورة وحقوق الشعب الفلسطيني في دولته الحرة والمستقلة والانسحاب من الأراضي المحتلة

إذا كان الهدف من الاتحاد كما هو معلن عنه يخص ميادين التعاون الاقتصادي والبيئة والهجرة والأمن والحوار الثقافي، وبما يمكّن الاتحاد من تجاوز الأسباب التي تعيق التعاون بين دوله، فإنه لا يمكن الفصل ما بين هذا التعاون وحل النزاعات المختلفة القائمة بين شعوبه ودوله ومنها في الأساس قضية الصراع العربي الإسرائيلي الذي لا يجب أن أن يغيب عن مؤتمرات الاتحاد

 الأهم من ذلك أيضاً هو أن لا يصار إلى فتح الأبواب والنوافذ أمام التوغل الإسرائيلي عبر هيئات الاتحاد بما يضفي شرعية على ممارسة إسرائيل، كما لا يمكن أكثر أن يتحول الاتحاد إلى هيئة هدفها إعادة فرض هيمنة دول كبرى كانت قد ساهمت في استعمار دول متوسطية منها فرنسا وإيطاليا  وتحقيق غاية رئيسية، تتمثل في استعادة مكانتها في منطقة تكاد تخرج من تحت نفوذها، خاصة في بلدان المشرق العربي التي تهمها بشكل مباشرة، بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي والحساس بالنسبة إليها، وإلى حجم الاستثمارات الاقتصادية والثقافية ، وتأثير مجمل ما يحصل فيها على أمن هذه الدول من خلال استخدام لغة العواطف والذاكرة والتاريخ، إلى جانب لغة المصالح والاستثمارات، الأمر الذي يفضي إلى استعادة نفوذ  هاتين الدولتين  في المتوسط وتأكيد حضورهما  في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، وتعزيزه في سياق التنافس مع النفوذ الأمريكي في كامل منطقة البحر المتوسط، وكذلك تعاظم الدور الروسي في سوريا

         إذا كانت الغايات والمرامي بالنسبة للدول العربية المتوسطية تحقيق تنمية إنسانية مستدامة توقف نزيف الهجرة التي تحتاج إليها هذه البلدان ، إلا أن المشروع الأوروبي  المتوسطي يخفي محاولة لضم إسرائيل إلى المشروع الإقليمي، وتطبيع العلاقة معها، بوصفها دولة متوسطية مهمة، لها علاقات مميزة من دول الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن اتفاقات الشراكة الاقتصادية معها وعلاقتها العسكرية بحلف شمال الأطلسي

إن ضم إسرائيل إلى مشروع الاتحاد من أجل المتوسط يفضي إلى تحقيق الكثير من الغايات الطموحة ومن بينها عدم الاعتراف بالحقوق العربية وبحقوق لبنان مثلاً باستغلال ثرواته ومياهه وأرضه والالتفاف على القضية الفلسطينية وقبول الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية،  الأمر الذي يجعل الاتحاد عرض للاهتزاز وعرضة للتشكيك في نجاحه

في المحصلة هناك جملة من العوامل السياسية والاقتصادية، إضافة إلى وجود خلافات داخل دول الاتحاد الأوروبي نفسه تعيق عمل هذا الاتحاد، يستدعي إعادة النظر في هيكليته، وبالتالي يمكن القول أن فكرته لم تعد فكرة جذابة لدى العديد من الدول الأوروبية الأمر الذي أصاب مشاريعه الطموحة بالتبخر أو التوقف ومنها  مشروع ”الخطة الشمسية المتوسطية”، التي كانت تهدف إلى إنتاج 20 جيجاويت من الطاقات المتجددة مع حلول عام 2020، وكذلك مشروع المياه المتوسطي الرامي لتنظيف البحر المتوسط من التلوث بحلول العام نفسه، كما أن ”خطة النقل المتوسطية” الرامية لتشبيك الضفتين لم يكن مصيرها أفضل من المشروعين السابقين، بسبب شحّ التمويل. ويضاف إلى ذلك فشل اجتماع وزراء المياه المتوسطيين في نيسان 2010، بسبب الخلاف  بين وفود الدول العربية وإسرائيل على الإشارة إلى الأراضي المحتلة


Elisabeth Al Sarraf
Elisabeth Al Sarraf

Avocate Stagiaire.
Master II en Droit des Affaires – Université Libanaise.

Spécialisée en Médiation et en Arbitrage International, intéressée par les sujets des droits de l’homme et de l’environnement.

“Juger, c’est aimer écouter, essayer de comprendre, et vouloir décider” -Pierre Drai


المراجع

1- قراءة في مستقبل الاتحاد المتوسطي، 2009، متوفر عبر الموقع التالي

2-   شكراني الحسين، تسوية المنازعات البيئية وفق القانون الدولي.
أيضاً اليصابات الياس الصراف، الوساطة والتحكيم في حل النزاعات البيئية لدول حوض البحر المتوسط، رسالة أعدت لنيل شهادة الماجيستير في قانون الأعمال، الجامعة اللبنانية، الحدث، 2019، ص4

3- لاتحاد من أجل المتوسط: انطلاقة جديدة لعملية برشلونة، الإتحاد الأوروبي في الميدانEU Neighbours South ، متوفر عبر الموقع الإلكتروني التالي

4- أنور محمد فرج، السياسة الخارجية المشتركة للاتحاد الاوروبي تجاه الشرق الاوسط اعلان برشلونة انموذجا، دراسات دولية، العدد 39، ص 91، متوفر عبر الموقع الإلكتروني التالي

5- الإتحاد من أجل المتوسط، الهيكل التنظيمي، متوفر على الموقع التالي

6- الإتحاد من أجل المتوسط، متوفر على الموقع التالي

7- اللإتحاد من أجل المتوسط، الجزيرة، 2011 متوفرة عبر الموقع الإلكتروني التالي

8- البحر الأبيض المتوسط حوضا لتشغيل الشباب، إطلاق مشروع إقليمي للإتحاد من أجل المتوسط، متوفر عبر الموقع التالي

9- صقل مهارات الفتياة من أجل التوظيف، متوفر عبر الموقع التالي

10- الاتحاد من أجل المتوسط وموئل الأمم المتحدة يعملان سوياً لتعزيز التنمية الحضرية المستدامة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، متوفرة عبر الموقع التالي

11- البحر الأبيض المتوسط حوضا لتشغيل الشباب، إطلاق مشروع إقليمي للإتحاد من أجل المتوسط، متوفر عبر الموقع التالي

12- إسرائيل ومشروع الإتحاد من أجل المتوسط، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتجية، 2008، متوفر على الموقع التالي